يعبر خطاب العرش السامي الذي افتتح به جلالة الملك عبدالله الثاني الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة العشرين عن رؤية استراتيجية شاملة ترسم ملامح المرحلة القادمة وتؤكد الثوابت الوطنية الراسخة للدولة الأردنية في مواجهة مختلف التحديات الإقليمية والمحلية. إنَّ جلالة الملك في خطاب العرش السامي بعث برسائل لها أبعاد سياسية واقتصادية واجتماعية وبمصطلحات أكاديمية لكي ما يشير إلى أن الأردن والأردنيين في قلبه وفكره دائماً وأبداً. سياسياً وأمنياً، فقد استهل جلالة الملك الخطاب بموقف حازم وصارم تجاه الإرهاب بكافة أشكاله، مؤكداً أن يد الإرهاب الغادرة التي حاولت اختبار صلابة الدولة وعزيمة شعبها الأصيل ستجد الأردن دائماً لها بالمرصاد، وأن الخوارج الذين خرجوا عن العائلة الأردنية وخانوا أسرتها الكبيرة لا مكان لهم بيننا لا اليوم ولا غداً، وذلك تخليداً وتكريماً لدماء شهداء الكرك الأبرار وعهداً وميثاقاً بصون أمن الوطن ووحدته الوطنية ومنعته.
ولأن منعة هذا الوطن ترتكز على سياج حصين، فقد تجسد الحضور الأمني والعسكري جلياً في إدراك الدور العظيم لجيشنا العربي وأجهزتنا الأمنية الذين وضعوا أرواحهم على أكفهم فأقسموا أن يظل سياج الأردن منيعاً وعلمه مرفوعاً سامياً شامخاً. ومن هذا العرين الأمني والوطني، تنطلق القراءة التحليلية العميقة لتؤكد على الامتداد التاريخي والاستمرارية للعهد الوثيق بين العرش والشعب عبر الأجيال - كما عبر الملك بوضوح (كما كان أبي من قبلي وسيكون ابني من بعدي) - ومن ثم الرهان الملكي الثابت والمتجدد على المواطن الأردني ووعيه المستدام حين تلتبس الطرق وحكمته حين تعلو الانفعالات وإخلاصه ووفائه حينما تشتد المحن. هذا الرهان المتوارث يترجم عقيدة القيادة الهاشمية الراسخة بأن الإنسان الأردني هو الثروة الحقيقية وخط الدفاع الأول للوطن. إنَّ الرهان الاستراتيجي لا يقتصر على مجابهة التحديات فحسب، بل يمتد ليشمل الإيمان المطلق بطاقات الشباب والكفاءات الوطنية وعقولهم الخلاقة، حيث يثبت الأردني يوماً بعد يوم قدرته الفذة على الإبداع والتميز والتفوق في مختلف المحافل المحلية والدولية، ليكون بحق خير سفير لمداميك الوعي والبناء الحضاري، ومشرفاً لصورة الأردن المشرقة في كافة الميادين. وعلى الصعيد السياسي والإقليمي والعروبي، عكس الخطاب وفاءً راسخاً للموقف التاريخي للدولة الأردنية؛ متمثلاً في التأكيد بالثبات على المبدأ والدفاع عن قضايا الأمة، وفي طليعتها القضية الفلسطينية. فقد شدد جلالته بوضوح على ألا سبيل للمنطقة لتحقيق الأمن والاستقرار دون تلبية حقوق الشعب الفلسطيني على أرضه مع إدانة مستمرة للانتهاكات والأطماع التوسعية الإسرائيلية التي تهدد مستقبل المنطقة برمتها.
أما في الشأن المحلي والسياسي الدستوري، فقد أبرز الخطاب الملكي السامي الدور المحوري لمجلس الأمة بوصفه ركناً أساسياً ومقدماً في الحياة السياسية الوطنية، منطلقاً من المبدأ الدستوري الأصيل الذي يقر بأن (الأمة مصدر السلطات ومنبع قوتها)، داعياً أعضاء المجلس ليكونوا صوتاً خالصاً للوطن وحراساً أمناء للمصلحة العامة، ورقيباً حصيفاً على الأداء الحكومي يضع مصلحة المواطنين فوق أي اعتبار. كما أرسى جلالته أدبيات متقدمة للعمل البرلماني تعتمد على احترام أدب الاختلاف وترسيخ أدبيات الحوار المسؤول، لكون الأردنيين لا ينظرون إلى القوانين والتشريعات الصادرة عن القبة فحسب، بل إلى السلوك والخطاب السياسي والمؤسسي النابع منها، وبما يعزز تماسك الجبهة الداخلية الأردنية وجعلها مصانة ضد كل محاولات التشكيك أو التأثير، لتنعكس هذه الصلابة السياسية على قدرة الأردن في الدفاع عن مصالحه الوطنية العليا والقيام بمسؤولياته التاريخية والقومية والعربية بكل اقتدار وثبات.
وانتقالاً إلى محور التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وضع جلالة الملك مصلحة المواطن الأردني في صلب كل قرار حكومي وتنفيذي، مؤكداً أن التنمية الحقيقية هي التي يلمس المواطن أثرها المباشر في معيشته وفرصه وتعليمه وعلاجه ومستقبل أبنائه. وجدد الخطاب التأكيد على المضي قدماً على درب رؤية التحديث الاقتصادي، موجهاً الحكومة بضرورة التسريع في إنجاز المشاريع الكبرى الطموحة التي تم البدء بتنفيذها بهدف رفد الاقتصاد الوطني وتعزيز منعته والبناء على دور الأردن المحوري والاستراتيجي في الإقليم. وإلى جانب ذلك، أفرد الخطاب مساحة استثنائية وأولية قصوى لملف الأمن المائي عبر صيغة نداء ملكية ثلاثية حاسمة: المياه، المياه، المياه، مؤكداً رفض الدولة المطلق لأن يكون ظمأ الأردنيين رهينة لأي ظرف أو مساومة، وملزماً الحكومة بوضع خطط استباقية ومستدامة لحماية الموارد المائية الوطنية وتأمين حقوق الأجيال القادمة بعيداً عن التغيرات والضغوط.
في الواقع رسم الخطاب الملكي السامي قواعد صارمة وحاسمة للحوكمة والسيادة الوطنية، مشدداً على أنه لا مكان في مؤسسات الدولة بيننا لمن يظن أن الوظيفة العامة هي تشريف يرفعه عن خدمة الناس أو العمل المخلص، ومؤكداً أنه لا حصانة لمن يسيء استخدام منصبه أياً كان موقعه فهيبة الدولة وسيادة القانون تتقدمان على كل الاعتبارات الشخصية والفئوية، فالقانون في الدولة الأردنية لا يعرف اسماً ولا منصباً ولا نفوذاً. وفي ذات السياق، أعاد جلالة الملك التأكيد على ترسيخ مفاهيم المواطنة الفاعلة وحرية التعبير المسؤولة، مبيناً أن (التداول بالشأن العام حق مشروع لكم يصونه الدستور ويحميه، فصدر هذا الوطن وصدرنا رحب أمام كل رأي مخلص ومسؤول)، ومقرناً ذلك بالقيمة الحضارية العميقة بأن (من أحب الأردن حفظ له جميل العطاء وكرامة الكلمة وأدب الاختلاف)، لتتكامل الشراكة الوطنية في أسمى صورها بين القيادة والمواطن. إن الخطاب جاء بعبارات الثقة العميقة بالشعب الأردني ومعدنه الأصيل ليكون سنداً للوطن وبرأً بأرضه. وبهذا، يرسم الخطاب معالم رؤية قيادية متكاملة تجمع بين حزم هيبة الدولة وسيادة القانون وكفاءة التخطيط الاقتصادي والمائي، وصولاً لترسيخ المواطنة والمسؤولية الاجتماعية لحماية الأردن ليبقى عزيزاً شامخاً وكبير القدر والمقدار بين الأمم في ظل حضرة صاحب الجلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين حفظه الله ورعاه وأعز ملكه.



