ثمة فرق عميق بين أن يكون الإنسان محمياً في وطنه وأن يكون شريكاً كاملاً في صناعته، وربما آن للمسيحي المشرقي عامة، والأردني خصوصاً، أن يغادر اللغة التي تحصره بين مفردات الأقلية، والتعايش، والحماية، الخ. فالمسيحية في هذا الشرق ليست زائراً طال مقامه حتى أصبح جزءاً من المشهد، والمسيحي الأردني ليس ضيفاً تاريخياً يستحق حسن الضيافة؛ إنه جذر مؤسِّس للمكان، وذاكرته، وثقافته، ودولته. من هنا يصبح الإفراط في خطاب حماية المسيحيين، رغم حسن مقاصده، إشكالياً؛ لأن الحماية تفترض ضمناً وجود قويٍّ يحمي، وضعيفٍ يُحمى، بينما المواطنة تقول شيئاً أرفع؛ لا تحمِني لأنني مختلف؛ ساوِني لأنني مواطن. الأمن حق للجميع، أما المساواة فلا ينبغي أن تتحول إلى منحة يمنحها أحد لأحد. هذه هي المواطنة الجذرية – Rooted Citizenship: لا أحتاج إلى إثبات أنني من هنا، لأنني شريك في تعريف معنى هنا.
لكن المساواة لا تكتمل بالقانون وحده؛ تحتاج إلى صوت لا يعتذر عن وجوده؛ هنا تقع على المسيحي نفسه مسؤولية مراجعة ما يمكن تسميته بـالهوية المرتجفة: أن يقول في المجالس الخاصة ما يتردد في قوله علناً، وأن يمتلك فكراً ثم يقدمه بصوت خافت خشية أن يُساء فهمه، وأن تتحول بعض المناسبات الدينية والوطنية من مساحات فرح طبيعي إلى حسابات أمنية ونفسية دقيقة: كيف نظهر؟ ماذا نقول؟ وكيف سيفهم الآخر حضورنا؟ الأخطر من الخوف ذاته أن يتحول الخوف مع الزمن إلى رقابة داخلية يحملها الإنسان في رأسه حتى دون أن يطلبها منه أحد. لذلك فإن حرية المسيحي في التعبير عن فلسفته وإيمانه وقراءته للوطن ومستقبله ليست امتيازاً طائفياً؛ إنها جزء من صحة المجتمع نفسه. فالحضارة لا تخسر حين تختلف أصوات مواطنيها، بل حين تتشابه أصواتهم لأن بعضها تعلّم الصمت. والمطلوب ليس صوتاً مسيحياً منغلقاً على ذاته، بل صوتاً أردنياً من موقع مسيحي واضح؛ يفكر، وينتقد، ويقترح، ويختلف، ويساهم بتنمية دائرته الخاصة والعامة دون خوف أو استعراض.
في المقابل، يجب أن يغادر المستقبل منطق المحاصصة حتى حين ترتدي ثوب الإنصاف. فالمسيحي لا ينبغي أن يصل إلى موقع لأنه يملأ مقعداً مسيحياً، ولا أن يُستبعد عنه لأن حصته اكتملت؛ بل لأن كفاءته وحقه ومسؤوليته الوطنية تؤهله. ولابد من الانتقال من تمثيل المكوّنات إلى تأثير المواطنين؛ أن نقيس الحضور المسيحي لا بعدد المقاعد والمناصب والصور في المناسبات، بل بمقدار المساهمة في العلم، والاقتصاد، والفكر، والثقافة، والخدمة العامة، والابتكار، وصناعة السياسات، والمستقبل. فالإقصاء ليس خطراً على المُقصى وحده؛ إنه بترٌ لجزء من عقل المجتمع؛ لذلك فالتنوع ليس مجرد استحقاق حقوقي، بل رأس مال حضاري تتسع به قدرة المجتمع على التفكير والتجدد. والمجتمع الذي يخشى الاختلاف قد يشتري بالصمت هدوءاً مؤقتاً، لكنه يدفع ثمنه لاحقاً من رصيد إبداعه؛ فالحضارات لا تضعف بكثرة أصواتها، بل حين لا يبقى فيها إلا صدى صوتٍ واحد.
يبقى السؤال الأصعب موجهاً إلى المسيحي الأردني نفسه: ماذا ستفعل بجذورك؟ فالأصالة ليست شهادة ملكية على الماضي، بل تكليف تجاه المستقبل. لا يكفي أن نفتخر بأننا كنا هنا؛ علينا أن نستحق أن نبقى هنا بالفعل والإضافة. والخروج من منطقة الراحة يعني الانتقال من القلق على الحضور إلى صناعة الحضور؛ من انتظار الدعوة إلى المبادرة، ومن الدفاع الدائم عن الهوية إلى جعلها قوة أخلاقية وتنموية تخدم الجميع.
المسيحي الأردني ليس أقليةً تستمد طمأنينتها من الحماية، بل مواطنٌ جَذريّ يستمد مكانته من أصالة الانتماء وكمال المواطنة؛ ليس ضيفاً في وطنٍ يتسامح مع وجوده، بل شريكاً في وطنٍ شارك في تشكيل ذاكرته. من هنا ينبغي أن يتحرر الخطاب من سؤال؛ كيف نحمي المسيحي؟ إلى سؤال أعمق؛ كيف نحرر طاقته الكاملة ليشارك في بناء الوطن؟ فالقضية ليست الانتقال من الخوف إلى الأمان فحسب، بل من عقلية الأقلية إلى سيادة المواطنة، ومن هاجس البقاء إلى شجاعة التأثير، ومن حماية الوجود إلى صناعة المستقبل. مواطنون يحتاجون إلى فضاءٍ يمارسون فيه مواطنتهم كاملة، لا إلى حمايةٍ تُذكّرهم بأن حقوقهم استثناء.



