*
الثلاثاء: 03 نوفمبر 2026
  • 03 نوفمبر 2026
  • 10:40
صمت القبة
الكاتب: عماد داود

دقيقة صمت كانت أعلى صوت في خطاب العرش.

في الثاني من تشرين الثاني افتتح الملك الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة العشرين. وطلب من الأعيان والنواب أن يقفوا على أرواح شهداء الكرك.

وقفت القاعة. وسكتت القبة كلها.

دماء شهداء الكرك عهد في أعناقنا، قال الملك. والعهد يحتاج إلى دفتر.

قبل أيام، في جنازة بكنيسة في قرية حمود، سقط تسعة شهداء. وأقام أبناء الكرك بيت عزاء، وللقهوة السادة فيه رائحة لا تنسى.

وكان الملك قد وصل الكرك بعد ساعات من الهجوم، وقال إن الدولة ستضرب بيد من حديد من تطاول على هذا البلد. وقبض الأمن العام على المنفذين بعد اشتباك.

ثم جاء الخطاب في عمان امتدادا لما قيل في الكرك.

وهم في الخطاب شهداء الكرك، أردنيون قبل أي صفة.

ثم وصف القتلة بالخوارج، وقال إنهم خرجوا عن العائلة الأردنية، وإن الدولة لن تسمح لهم بأن يمسوا أمن الوطن ووحدته.

بعد الدم تحدث الخطاب عن الكلمة.

طلب من المجلس أن يكون صوتا للوطن وحارسا للمصلحة العامة ورقيبا على الأداء الحكومي. وسمى اختلاف الرأي قوة، ما دامت مصلحة الأردن غايته.

وتبدأ مهمة القبة. القاعة التي سكتت للشهداء مطالبة بأن تتكلم حين يحين الحساب.

والرقابة التي تخشى السؤال تفقد معناها قبل أن تبدأ. والنائب يقاس بما يصوت عليه، ويقاس أيضا بما يقوله تحت القبة وخارجها، وبمدى قربه من المصلحة العامة.

ثم كرر الملك كلمة واحدة: المياه، المياه، المياه!

وقال إن ظمأ الأردنيين لن يكون رهينة لأي ظرف. ولم يسم الظرف.

ولم يسم المشروع الذي سيحمل الماء إلى البيوت. فالناقل الوطني، بحسب وزير المياه، سيحلي 300 مليون متر مكعب سنويا من البحر الأحمر، ويغطي 40% من احتياجات الشرب، ويستهدف بدء الضخ بحلول عام 2030.

وهذه أهداف معلنة، ولم يصل ماء بعد.

وفي بيت أردني خزان ينتظر دوره، وأم تعد الأواني قبل أن يعلو صوت الأنبوب. يكفي أن يتأخر الماء عن موعده.

والمياه سؤال موازنة قبل أن تكون سؤال أنابيب. والموازنة تمر من تحت القبة. فمن يصوت على التمويل يستطيع أن يسأل عن الطريق: من البحر إلى المحطة، ومن المحطة إلى الخزان، ومن الخزان إلى الصنبور.

وفي الخطاب سطر سار على الألسنة: لا حصانة لمن يسيء استخدام منصبه أيا كان!

ولم يضع الخطاب اسما بعد أيا كان. تركها مفتوحة لكل من ظن أن موقعه يحميه.

والعبارة تكتمل حين يتحرك القانون عند أول مخالفة، وحين يصل إلى صاحب النفوذ كما يصل إلى غيره.

وبين يدي القبة رقم يصلح مقياسا. يقول رئيس ديوان المحاسبة إن الاستجابة لمخرجات الديوان الرقابية ارتفعت من 35% إلى 71% على مدى نصف عقد.

هذا رقم صادر عن الديوان نفسه، وهو مؤشر على تحسن الاستجابة وليس على اكتمال المعالجة. والسؤال الذي يهم الناس: ما الذي عولج فعلا؟ وما الذي ما زال مفتوحا؟ ومن المسؤول عنه؟

وخارج القاعة، قال الخطاب إن لا أمن في المنطقة دون حق الفلسطينيين في أرضهم، وإن الأطماع التوسعية الإسرائيلية أكبر تهديد لمستقبلها.

وفي الخطاب نبرتان: نبرة تتوعد القتلة، ونبرة تفتح الصدر لكل رأي مسؤول. وبينهما يقف الأردني الذي راهن عليه الخطاب.

وللأردني الذي يتابع من بيته مقياس أبسط من كل اللوائح: هل تغير شيء في الماء، وفي الخدمة، وفي المال العام؟

وما يجري في فلسطين لا يقف عند حدودها. فحين تتحدث القاعة عن الأمن، فالأمن عندها يبدأ من الداخل ويمتد إلى الإقليم.

وسيقول قائل إن الخطابات تمر وتعود القاعات إلى عاداتها.

والدستور يلزم كل مجلس بعريضة تتضمن جوابه عن الخطاب.

والجواب الدستوري واجب قائم على المجلسين، ولا يحتاج الجدول إلى قانون جديد. يحتاج إلى قرار صريح بأن يقرأ الناس ما يكتب في الجواب، وأن يتابعوه بأنفسهم.

والمطلوب من المجلس ثلاثة أمور: أن يربط كل توجيه بجهة، وكل جهة بموعد، وكل موعد بنتيجة تعلن للناس.

فليكتب الجواب دفترا للعهد، جدولا يقرأ في آخر الدورة: كل توجيه، والجهة المسؤولة، والموعد، وما تحقق. جدول يفهمه من ينتظر الماء.

وفي الصف الأول من الجدول مثال: الأمن المائي. الجهة وزارة المياه، والموعد المستهدف 2030، وما تحقق يعلن كل فصل بلغة تفهمها الأم التي تعد الأواني.

وتعلن الحكومة في المقابل ما أنجزته وما تأخر وأسباب التأخر. ويتابع المجلس من موقعه الرقابي، ويبقى حق الناس في السؤال قائما.

ومن يسمع الدقيقة، يحق له أن يسمع بعدها الجواب.

وإن بقيت القبة صامتة بعد الدقيقة، بقيت الدقيقة أعلى صوت في الدورة!

مواضيع قد تعجبك