خبرني - الميزان لا يسأل من أنت.
لا يسأل أين وُلدت.
ولا من زكّاك.
ولا على أي طاولة جلست.
يضعك أمام الحقيقة وحدها.
ثم يحكم.
في المخبز لا توجد توصية.
فيه دقيق.
ونار.
وصبر.
والرغيف الذي يخرج منه لا يعرف أحداً.
إما أن ينضج...
أو يحترق.
لا واسطة بين الفرن والخبز.
ولا مجاملة بين النار والعجين.
وفي أماكن كثيرة من هذا العالم...
تُصنع أشياء بلا نار.
تُصنع بالكلام.
وبالضجيج.
وبالألقاب الطويلة التي تحتاج وقتاً لقراءتها.
وبالمديح المتبادل الذي لا يُشبع أحداً.
وبالمقاعد الوثيرة التي تُنسي صاحبها أنه كان يوماً واقفاً.
والمشكلة أن كل ذلك قد ينجح أمام الناس لفترة...
ولا ينجح أبداً أمام الميزان!
ولهذا أحب الأردنيون منتخبهم بهذه الطريقة التي تجاوزت الكرة.
ليس لأنه لا يخطئ.
وليس لأنه لا يخسر.
بل لأنهم رأوا فيه شيئاً أصبح نادراً!
رأوا علاقة واضحة بين التعب والنتيجة.
بين الجهد والمكان.
بين الاستحقاق والوصول.
رأوا ميزاناً يعمل.
رأوا مكاناً لا تُقاس فيه الأسماء بطولها.
بل بمقدار ما تحمله من عمل.
رأوا مكاناً لا يصعد فيه أحد لأن السلّم كان أقرب.
بل لأن خطواته كانت أكثر.
وحين يرى الناس ميزاناً عادلاً يعمل في بلد اعتادوا فيه على اختلال الموازين...
يتعلقون به كما يتعلق الغريق بشيء يطفو!
لأن العدالة — حين تظهر — تصبح حدثاً!
خلال أسابيع قليلة فعل هؤلاء الفتية ما عجزت عنه سنوات من الكلام المرتّب في قاعات مكيّفة.
لم يشرحوا أنفسهم.
فعلوا.
وظهر الاجتهاد.
من مخبز صغير في سحاب خرج موسى التعمري.
ومن أحياء وبيوت ومدن تشبه حياة الأردنيين العاديين خرج رفاقه.
لم يحملهم نفوذ.
ولم تدفعهم توصية.
ولم يدخلوا من الباب الخلفي الذي يعرفه من يعرف.
دخلوا من الباب الأصعب...
باب الاستحقاق!
ولهذا لم تكن قصة المنتخب قصة كرة قدم.
كانت تذكيراً قاسياً بحقيقة قديمة يتناساها الكثيرون:
الناس قد تصدّق الكلام لبعض الوقت.
وقد تصفّق للمظاهر لبعض الوقت.
لكنها في النهاية لا تنحاز إلا للإنجاز!
خسر المنتخب مباراة.
هذا صحيح.
لكن الميزان لم يخسر.
لأن الميزان لا يقيس تسعين دقيقة.
يقيس رحلة كاملة.
ويقيس مقدار ما وُضع فيها من تعب وصدق ومحاولة لم تتوقف حتى الصافرة الأخيرة.
الأردنيون لم يحتفلوا بهدف.
ولا بفوز.
احتفلوا بشيء أعمق وأندر.
احتفلوا حين رأوا أن الطريق ما زال مفتوحاً أمام من يستحق.
وأن الجدارة ما زالت قادرة على الوصول.
وأن هذا البلد — حين يريد — يستطيع أن ينجز بالكفاءة لا بالوساطة.
المشكلة ليست في الميزان يوماً.
المشكلة أن بعضنا عاش طويلاً وهو يظن أنه يستطيع خداعه.
لكن الميزان لا يغضب.
ولا يحزن.
إنه فقط يكشف.
الرغيف الذي خرج من النار لا يحتاج أحداً يشهد له.
النار شهدت.
والميزان أيضاً.



