*
الخميس: 25 حزيران 2026
  • 25 حزيران 2026
  • 01:10
من المسؤول  حين تُؤخذ الإتاوات على أبواب الدوائر الحكومية
الكاتب: عمر الدريني

ليست كل الإتاوات تُجبى عند المعابر، ولا كل الأموال تُفرض بقرار أو تُحصَّل بموجب قانون، فثمة إتاوات من نوع آخر، لا تظهر في الجداول الرسمية، ولا تُكتب على اللوحات الإرشادية، لكنها تُقتطع من جيوب الناس وكرامتهم، حين يصبح الوصول إلى الحق مشروطاً بما لم ينص عليه نظام، ولم يجزه ضمير، ولم يقره دين.

هناك على أبواب بعض الدوائر الحكومية وفي ممراتها، يقف المواطن حاملاً أوراقه وآماله، باحثاً عن إنجاز معاملة هي في الأصل حق مشروع، فإذا به يصطدم بممارسات فردية يمارسها بعض ضعاف النفوس ممن اعتادوا استغلال حاجة الناس، أو ممن جعلوا من تسهيل الإجراءات باباً للكسب غير المشروع، تحت مسميات متعددة لا تغير من حقيقتها شيئاً.

وهنا يبرز السؤال الذي يتردد في صدور المراجعين قبل أن تنطق به ألسنتهم: *من المسؤول؟* 

 *من المسؤول حين تتحول حاجة الناس إلى فرصة للابتزاز؟* 

 *ومن المسؤول حين يُصبح إنجاز المعاملة رهناً بمبلغ لا وجود له في القوانين ولا في التعليمات؟* 

 *ومن المسؤول حين يجد المواطن نفسه مضطراً إلى دفع ما ليس واجباً عليه، خوفاً من ضياع حقه أو تأخر مصالحه؟* 

في إحدى الزوايا، يقف رجل تجاوز السبعين من عمره، أنهكه المرض وأضعفت السنين خطواته، يراجع الدائرة للمرة الثالثة، حاملاً ملفه بيد وعصاه باليد الأخرى، ينتظر ساعات طويلة، ثم يعود بخيبة جديدة، قبل أن يهمس له أحدهم بأن ما تعذر إنجازه في أسابيع، يمكن أن يُنجز في ساعات، إذا دفع مبلغاً لمن اعتادوا التربح من حاجات الناس.

وفي مكان آخر، تجلس أرملة أثقلتها مسؤولية إعالة أبنائها، جاءت تبحث عن حق يكفل لها ولأطفالها حياة كريمة، لكنها فوجئت بأن معاناتها لا تنتهي عند حدود الإجراءات، بل تمتد إلى إشارات وتلميحات توحي بأن هناك من ينتظر مقابلاً مالياً، لا يستند إلى قانون، ولا يعرفه نظام.

أما ذلك الشاب الذي يحمل شهاداته الجامعية وأحلامه الكبيرة، فقد دخل المؤسسة مؤمناً بأن العدالة لا تميز بين الناس، لكنه خرج متسائلاً بحسرة: *كيف يصبح المال أسرع من الدور، وكيف تتحول حاجات الناس إلى مورد يقتات عليه البعض؟* 

وتلك الأم التي تحمل طفلها بين ذراعيها، وتتنقل بين المكاتب، لم تكن تطلب امتيازاً، بل كانت تطلب حقاً. غير أنها اكتشفت أن بعض الأبواب باتت لا تُفتح بسهولة، وأن بعض ضعاف النفوس يحاولون تحويل المعاناة الإنسانية إلى فرصة للكسب والربح.

والمؤلم في الأمر أن هذه الإتاوات الصغيرة في قيمتها، الكبيرة في أثرها، لا يفرضها أصحاب القرار في كثير من الأحيان، بل قد تنشأ من ممارسات فردية يقوم بها بعض السماسرة أو بعض العاملين الذين أساؤوا فهم الأمانة، فأساؤوا إلى مؤسساتهم قبل أن يسيئوا إلى الناس.

إن أخطر ما في هذه الإتاوات أنها لا تسرق المال وحده، بل تسرق الثقة، وتزرع الإحباط، وتدفع الناس إلى الاعتقاد بأن النزاهة أصبحت أبطأ من التحايل، وأن الالتزام بالدور أقل حظاً من الالتفاف عليه.

وما من مجتمع يستطيع أن يبني مستقبله بثقة، إذا شعر أفراده أن حقوقهم قد أصبحت عرضة للمساومة، وأن حاجاتهم الإنسانية يمكن أن تتحول إلى باب للكسب غير المشروع.

وقد جاء الإسلام ليغلق أبواب الفساد، ويحفظ للناس حقوقهم، فقال الله تعالى: *﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾* [البقرة: 188].

وقال سبحانه: *﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾* [النساء: 58].

وقال عز وجل: *﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾* [هود: 85].

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « *لعن الله الراشي والمرتشي والرائش بينهما».

وقال صلى الله عليه وسلم: *«كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته* ».

إن الوظيفة العامة أمانة وليست امتيازاً، ومسؤولية وليست وسيلة للمنفعة الخاصة، وخدمة الناس شرف لا منة، وواجب لا تجارة.

كما أن الأغلبية الساحقة من الموظفين تؤدي أعمالها بإخلاص وأمانة، إلا أن التصدي للممارسات الفردية المسيئة يبقى واجباً لا يحتمل التهاون، حمايةً لسمعة المؤسسات، وصوناً لحقوق المواطنين، وترسيخاً لهيبة القانون.

فالرقابة ليست مجرد تقارير ترفع، ولا لجان تجتمع، بل هي يقظة ضمير، وعدالة محاسبة، وحزم في مواجهة كل من يتاجر بحاجات الناس، أياً كان موقعه أو صفته.

فالمسؤولية لا تتوقف عند من يمد يده إلى المال الحرام، بل تمتد إلى كل من تستر على فساد، أو تجاهل شكوى، أو سمح بأن تتحول أبواب المؤسسات إلى محطات عبور لمن يملك المال، بينما يبقى أصحاب الحقوق أسرى الانتظار والمعاناة.

إن الدول لا تُقاس بعظمة مبانيها، بل بعظمة عدالتها، ولا تُبنى الثقة بين المواطن ومؤسساته بالشعارات، وإنما بالممارسات التي تجعل الجميع سواء أمام القانون، وتجعل الحق يصل إلى صاحبه دون وساطة، ودون خوف، ودون ثمن.

ويبقى السؤال قائماً: *من المسؤول حين تتحول حاجة الإنسان إلى سلعة؟* 

 *ومن المسؤول حين يجد البسيط نفسه مضطراً إلى دفع ما ليس عليه؟* 

 *ومن المسؤول حين تصبح معاناة الناس فرصة للكسب غير المشروع؟* 

إن الإجابة الحقيقية لا تبدأ بإلقاء التهم، بل تبدأ بإحياء الضمير، وتعزيز الرقابة، وترسيخ مبدأ المحاسبة، وتجفيف منابع الفساد، وحماية الموظف النزيه، كما تُحاسب اليد العابثة.

فوراء كل معاملة إنسان ينتظر، ووراء كل توقيع أسرة تأمل، ووراء كل تأخير قصة ألم لا يعلم تفاصيلها إلا الله.

وحين تصبح النزاهة ثقافة، والمحاسبة منهجاً، وخدمة الناس رسالة، ستبقى المؤسسات حصوناً للعدالة، وسيبقى الحق حقاً، لا سلعة تُباع، ولا امتيازاً يُشترى.

وعندها فقط ، لن يضطر أحد لأن يسأل: من المسؤول؟
 

مواضيع قد تعجبك