وراء كل قضية مخدرات قصة لم تكتمل، وأسرة فقدت طمأنينتها، وشاب تبدلت أحلامه، ومجتمع يدفع ثمن جريمة لم يرتكبها. فالمخدرات لا تُفسد فرداً واحداً، وإنما تمتد آثارها إلى كل من يحيط به، ولذلك تعامل معها المشرّع الأردني بوصفها تهديداً للأمن الوطني والسلم المجتمعي، فأقر قانون المخدرات والمؤثرات العقلية رقم (23) لسنة 2016 ليؤسس منظومة تشريعية متكاملة تقوم على الردع، وتجفيف منابع الجريمة، وفتح باب العلاج والإصلاح لمن أراد العودة قبل فوات الأوان.
لم يكن هذا التشدد وليد المبالغة، بل جاء استجابة لخطورة هذه الآفة وما تتركه من آثار تمس الأمن الاجتماعي والاقتصادي، وتغذي جرائم العنف والسرقة والقتل والابتزاز. لذلك لم يحصر المشرع التجريم في الاتجار بالمخدرات، بل نصت المادة (3) على حظر استيراد المواد المخدرة أو تصديرها أو إدخالها إلى المملكة أو نقلها أو إنتاجها أو تملكها أو حيازتها أو إحرازها أو بيعها أو شرائها أو تسليمها أو تسلمها أو التوسط في أي من تلك العمليات، إلا للأغراض الطبية أو العلمية وبموجب ترخيص قانوني، بما يعكس إرادة تشريعية تهدف إلى محاصرة الجريمة قبل وصولها إلى المجتمع.
ولأن المروج هو البوابة التي تعبر منها السموم إلى الشباب، فقد شددت المادة (15) العقوبة، فنصت على الأشغال المؤقتة مدة لا تقل عن خمس سنوات وغرامة لا تقل عن خمسة آلاف دينار لكل من يروج المواد المخدرة أو يتوسط في ترويجها، وترتفع العقوبة إلى الأشغال المؤقتة مدة لا تقل عن عشر سنوات إذا ارتكبت الجريمة بالاشتراك مع قاصر أو باستخدامه أو كان الترويج موجهاً إليه، مع عدم جواز للمحكمة الأخذ بالأسباب المخففة التقديرية في حالة التكرار، وهو ما يعكس اتجاه تشريعي واضح نحو تشديد الحماية الجنائية للفئات الأكثر عرضة للاستهداف، ومنع أي تساهل مع من يجعل من الشباب وسيلة لتوسيع دائرة هذه الجريمة.
أما الاتجار بالمخدرات، فقد اعتبره المشرع جريمة تمس أمن المجتمع، فعاقبت المادة (19) كل من يجلب أو يصنع أو يهرّب أو يبيع أو يشتري أو ينقل أو يخزن المواد المخدرة بقصد الاتجار بالأشغال الشاقة المؤقتة مدة لا تقل عن خمس عشرة سنة وبغرامة تصل إلى عشرين ألف دينار، وتتحول العقوبة إلى الأشغال الشاقة المؤبدة في حالات التكرار أو استغلال القاصرين أو إذا كان الجاني من المكلفين بمكافحة هذه الجرائم. وذهبت المادة (20) من القانون نفسه إلى أبعد من ذلك عندما قررت عقوبة الإعدام إذا ارتبطت الجريمة بعصابات دولية أو بجرائم منظمة عابرة للحدود، في تأكيد على أن تجارة المخدرات تهديد للأمن الوطني قبل أن تكون اعتداء على الأفراد.
ولم تقتصر المواجهة على سلب الحرية، بل نصت المادة (21) على مصادرة المواد المخدرة والأموال ووسائل النقل والأدوات والمواقع الإلكترونية المستخدمة في الجريمة، مع جواز الحجز التحفظي على الأموال ومنع المتهمين من السفر، بما يجرد الجريمة من أدواتها ومصادر تمويلها. كما امتدت الحماية إلى الفضاء الرقمي، إذ عاقبت المادة (23) كل من يستخدم الشبكة المعلوماتية أو وسائل النشر أو الإعلام للحض على تعاطي المخدرات أو الترويج لها أو تعليم طرق تصنيعها أو تسويقها.
وفي المقابل لم يغفل القانون الجانب الإنساني، ففرق بين المجرم والمتعاطي الراغب في العلاج. فقد نصت المادة (9/و) على عدم إقامة دعوى الحق العام بحق من يتقدم، قبل ضبطه من تلقاء نفسه أو بواسطة أحد أقاربه إلى مراكز العلاج أو إدارة مكافحة المخدرات أو أي مركز أمني طالباً العلاج، كما أوجبت المادة (9/هـ) الحفاظ على السرية التامة لهوية المتعالجين وكل المعلومات المتعلقة بهم، في رسالة واضحة بأن المبادرة إلى العلاج ليست وصمة، بل طريق للنجاة وحماية للأسرة والمجتمع.
ولأن مكافحة المخدرات مسؤولية وطنية مشتركة، أنشأ المشرع بموجب المادة (31) اللجنة الوطنية لمكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية، لتضم ممثلين عن القضاء، والأمن العام، والوزارات والجهات المختصة، بما يؤكد أن نجاح المواجهة لا يتحقق بالأجهزة الأمنية وحدها، بل بتكامل دور الدولة مع الأسرة، والمدرسة، والإعلام، والمؤسسات الدينية، وكل فرد في المجتمع.
إن المخدرات ليست قضية فرد، بل قضية وطن. ومن هنا فإن الضرب بيد من حديد على تجار السموم ومروجيها ليس خيار، بل واجب تفرضه حماية المجتمع. وفي المقابل فإن المبادرة إلى علاج المتعاطي، والإبلاغ عن المروج، وكسر حاجز الخوف والوصمة، تمثل مسؤولية قانونية وأخلاقية مشتركة. فالعلاج في الوقت المناسب، والإبلاغ دون تردد، وترسيخ الوعي داخل الأسرة والمدرسة والمجتمع، تشكل جميعها خطوط الدفاع الأولى التي تجفف منابع هذه الجريمة، وتحمي الإنسان، وتعزز أمن المجتمع، وتصون مستقبل الوطن.



