*
الخميس: 25 حزيران 2026
  • 25 حزيران 2026
  • 01:19
هلوسات وطنية
الكاتب: أ.د. طارق عبد القادر المجالي

من منكم مرّ بما مرّ به الشاعر حين قال:

أُهلوِسُ في المنام بغير وعيِّ      وتعبثُ في مُخيلتي الظنونُ

كأنّ الفكر في واد سحيقِ          يُصوِّر لي المُحال بما يكونُ

واقعٌ أشبه بالفنتازيا الموحشة، بشتى صورها وألوانها، تعبثُ بالعقول، فهل نحن بين يدي السّاعة وبداية عصرِ فتنٍ كقطع الليل المُظلم، الذي يصبح الرجل مؤمنا ويُمسي كافرا ، أو كما قال رسول الله ﷺ؟

في واقعنا الماثل لوحةٌ عملاقة لا غير، كشاشات كأس العالم، تراها معلقة في الأسواق والمحلات والحفلات والندوات والعطوات والجاهات ..في الأفراح والأتراح .. في كل مكان.. لوحةٌ سوداء داكنة يتطاير سوادها القاتم خارج الإطار إلى المشاهدين.

كل ما تراه أو تحسّه في هذه اللوحة السريالية، أو محاولة تفكيك شيفرتها المبهمة وتأويلها يدعوك إلى مزيد من الهلوسة والهذيان . تلك هي لوحة الوطن الأخيرة التي تحاول أن تُمزّق سرديته الجميلة، وأن تخفي ملامحها الزاهية، وتعب السنين الممزوج بالصبر والدموع.

إنّ المتأمل في خطوط هذه اللوحة المشوّهة لا يرى إلا سُلّما أسود مرتفعَا له عَتبتان : سُفلى تتزاحم عندها الأقدام والعيون، وعُليا في نهايته، عليها بضعة أفراد وعائلاتهم بملابس أنيقة وأسنان بيضاء مجلوّة، ينظرون إلى من تحتهم ويضحون!

 إنهم صنعوا سُلّمهم على غرار سُلّم رواتب الحكومة تماما! الهُوّة سحيقة، والموازين مُختلّة بين مؤسساتنا الحكومية وهيئاتنا الخاصّة والمستقلّة، ولا خلاص إلا بثورة بيضاء لإعادة هيكلة سلم الرواتب وإزالة تشوهاته البيّنة بشكل منطقيّ وعادل لا يُستثنى منه أحد.

إنّ سُلّم رواتبا الحالي كسُلّمِ موسيقي أزراره معطّلة إلا زر ال((DO وال(Si ) فتخيّل كمية النشاز بين القرار والجواب وتلاشي سائر النغمات !

إن الناظر إلى  باص الوطن اليوم وهو يغادر المحطة القديمة يخيّل إليه أنّه ممتلئ، لكنه لا يدركُ ،سفها، أنّه محتوم عليه إذا ما أراد الّصعود أن يتسلّل من إحدى نوافذه! لأن الركوب لا يعترف بنظام الدّور، ولا بفهلوة الركاب وحيويتهم ، فكلّ ما عليك أخي الراكب، ألّا تلتفت إلى الملصق المعلق أمامك : في التأني السلّامة.. ونحن بانتظارك .. والصبر مفتاح الفرج كل ما عليك هو أن تقرأ تعليمات خط سير الباص، وتحفظ الباركود الخاص بالرحلة عن ظهر قلب ويتأكد منك (الكونترول) الأنيق!

أمّا الامتحانات والشهادات والكفاءات وسير الذات، فهذه غير سِير الذوات، فاحتفظ بها لأيام قادمة أجمل ستحتاجها حتما لمقابلات عمال المياومات، واختيار حرّاس الوزارات، وترشيحات أصحاب ومتنفذي البسطات، أو تزكية من مُقدمي الرّشاوى والإتاوات!

قِف على قارعة الطريق وتفّرس الوجوه فلن تجد فيها غير تجاعيد اليأس والإحباط، وفتّش جيوبهم فلن تعثر إلا على فواتير ماء وكهرباء قديمة لمّا تُدفع، ومستندات قروض تنتظر شاهدا نخوجيّا لِتُوقّع .

إنّ الحضارات لا تُبنى بالشعارات ولا بالتهريج والضجيج ولا بالتطبيل والتبخير والتصّفير ولا في الولائم الألفية والمئوية ولا في مزايدات الجاهات والديات على حساب الثكالى والأرامل والأيتام ولا في السّيارات بنكهة الفوائد المتصاعدة، ولا في المجالس التي ترشح عرطا ونفخا قبليا ساذجا، وتعصّبا مقيتا فجَّا، ولا في بعض المؤسسات الحكوميةّ منزوعة الدسم، ومخلوعة الأظافر والأسنان، وإدارات ينخرها الفساد وظلم العباد، متغاضين عن مؤشر مدركات الفساد حسب منظمة الشفافية الدوليّة، وأهداف هيئة مكافحة الفساد ..كلّ هذه المظاهر والظواهر برقٌ خُلّب لا يجلبُ إلا الوهم والسّراب الذي يحسبه الظمآن ماء.

وليس أمامنا إلا أن نقول:

ستُمطر الأرضُ يوما رغم شحتها    ومن بطون المآسي يُولدُ الأملُ

أو نستأنس بقول القائل:

أُعلّل النّفس بالآمال أرقبُها        ما أضيقَ العيشَ لولا فسحة الأملِ

مواضيع قد تعجبك