لا يُعد الأرهاب والتطرف مجرد تهديد أمني، بل يمثلان تحدياً فكرياً وثقافياً يستهدف وعي المجتمعات وأستقرارها، من خلال توظيف الدين بصورة مغلوطة، واختطاف مفاهيمه وقيمه الإنسانية لتبرير العنف والكراهية والإقصاء، فالأرهاب لا يمثل الدين، والتطرف لا يعكس حقيقة الإيمان ، وإنما يشكل إنحرافاً فكرياً يستغل العقيدة لتحقيق أهداف تتناقض مع مقاصدها القائمة على الرحمة والعدل وصون كرامة الإنسان .
وتكمن خطورة هذه الظاهرة في محاولات استقطاب الشباب والتأثير في قناعاتهم، من خلال خطاب ديني مضلل يقدم تفسيرات انتقائية للنصوص الشرعية، ويستغل الحماسة الدينية وضعف المعرفة أو الآزمات الأجتماعية والنفسية، وصولاً إلى غسل العقول، وإقناع الشباب بأن التطرف هو الطريق الصحيح للتدين، ومن هنا تبرز ضرورة تحصين الشباب بالمعرفة الدينية الصحيحة، وتعزيز قدرتهم على التمييز بين التعاليم الدينية الأصيلة والتفسيرات المتشددة التي توظف الدين لخدمة العنف .
إن مواجهة هذا التحدي لا ينبغي أن تقتصرعلى المعالجة الأمنية، رغم أهميتها، بل تتطلب مشروعاً وطنياً متكاملاً تتبناه الحكومة الأردنية، وتشارك في تنفيذه مؤسسات الدولة، يقوم على الوقاية الفكرية والتوعية الدينية والتمكين المجتمعي . فالمطلوب ليس فقط تحذير الشباب من التطرف، وإنما بناء جيل يمتلك الوعي والقدرة على مناقشة الأفكار والتحقق من مصادرها ورفض الخطابات التي تصادر العقل أو تحرض على الكراهية، وفي هذا الإطار تبرز أهمية تعزيز دور المؤسسات الدينية وفي مقدمتها وزارة الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية ودائرة الإفتاء العام، من خلال برامج توعوية تستهدف الشباب في المدارس والجامعات والمراكز الشبابية، توضح المفاهيم الدينية الصحيحة، وتواجه الغلو والتكفير وسوء تفسير النصوص، عبر خطاب ديني يعتمد الحوار والإقناع والمعرفة .
كما تتحمل المؤسسات التعليمية مسؤولية أساسية في إدماج مفاهيم التفكير النقدي والإعتدال والتسامح والمواطنة في البرامج والأنشطة التعليمية، بما يعزز قدرة الطلبة على التعامل الواعي مع الأفكار المتداولة، وعدم الأنسياق وراء المعلومات المضللة أو الخطابات المتطرفة .
ولا يقل الدور الإعلامي أهمية عن ذلك، إذ ينبغي تطوير محتوى وطني ورقمي يستهدف الشباب بلغتهم وأدواتهم، من خلال حملات توعوية وأفلام قصيرة وبرامج حوارية يشارك فيها متخصصون دينيون وإعلاميون وشباب مؤثرون، لتوضيح مخاطر استغلال الدين وتفنيد الخطاب المتطرف، وتعزيز ثقافة التحقق من المعلومات ومواجهة التضليل وخطاب الكراهية .
ومن الضروري كذلك أن تتولى وزارة الشباب بالتعاون مع الجامعات ومؤسسات المجتمع المدني والبلديات، توسيع برامج الحوار والمبادرات الشبابية في مختلف محافظات المملكة، بحيث لا يكون الشباب مجرد متلقي للرسائل التوعوية، بل شركاء في إعدادها وتنفيذها، وقادة لمبادرات تعزز الأعتدال والأنتماء الوطني والمشاركة المجتمعية، كما ينبغي إشراك الأسرة في هذه الجهود، وتوفير قنوات للأرشاد الفكري والتربوي والإجتماعي، تساعد على معالجة التساؤلات والمفاهيم المغلوطة .
فنجاح هذه الجهود يتطلب إطاراً وطنياً تنفيذياً منسقاً تقوده الحكومة، ويحدد مسؤوليات الوزارات والمؤسسات المعنية، وأولويات العمل والبرامج والميزانيات ومؤشرات قياس النتائج، مع الأستفادة من الإستراتيجيات والمبادرات الوطنية القائمة، وتطويرها ضمن رؤية متكاملة تضمن استمرارية العمل وتقييم أثره على وعي الشباب .
إن معركة مواجهة التطرف ليست مع الدين، بل مع الفكر الذي يسيء فهمه ويستغله، وليست مع الإيمان، بل مع من يوظفه لتبرير العنف، ولذلك فإن حماية الشباب لا تتحقق بالتحذير وحده، وإنما بالمعرفة والحوار والتعليم والاحتواء وفتح أفاق المشاركة أمامهم .
فالشباب الواعي هو خط الدفاع الأول عن المجتمع، وتحصين عقولهم بالعلم والفهم الصحيح للدين ليس مجرد واجب توعوي ، بل أستثمار استراتيجي في أمن الأردن واستقراره ومستقبله.



