من مؤشرات التطرّف إلى الوقاية من الإرهاب؛ مسؤولية الأسرة ومؤسسات التعليم والإعلام والدولة كافة ؛؛
هل يمكن أن يعيش بيننا شخص يتبنى أفكارًا إرهابية دون أن ننتبه؟
وهل يمكن أن يتحول شاب نعرفه ونعيش معه تحت سقف واحد إلى شخص يرى في قتل الآخرين فعلًا مشروعًا، وفي العنف وسيلة لتحقيق غاياته؟
الإجابة نعم.
فالتطرف العنيف لا يبدأ بالضرورة بحمل السلاح، وإنما قد تسبقه تحولات فكرية وسلوكية واجتماعية يمكن ملاحظتها والتعامل معها قبل أن تتحول إلى تهديد حقيقي، كما يلي:
أولًا: لا تبحث عن شكل الإرهابي، بل راقب تحولات تفكيره وسلوكه.
لا توجد ملامح أو مستويات تعليمية أو أنماط اجتماعية تحدد الشخص المتطرف، لكن هناك مؤشرات تستحق الانتباه، خصوصًا عندما تتجمع وتتطور مع الوقت:
1. تحوّل الاختلاف مع الآخرين، سواء من الأقارب أو الغرباء، إلى عداء ورغبة في الإقصاء أو العقاب.
2. تبرير قتل المدنيين ( مهما كانت معتقداتهم أو مبادئهم ) والاعتداء على الأبرياء، والدفاع عن مرتكبي العنف باعتبارهم أبطالًا أو أصحاب قضية.
3. تقسيم العالم إلى فئتين: جماعة تحتكر الحقيقة، وكل من يخالفها يستحق الإدانة أو العداء.
4. نزع الإنسانية عن فئات معينة، والتعامل معها باعتبارها أقل قيمة أو استحقاقًا للحياة.
5. رفض الحوار ومراجعة الأفكار، واعتبار التساؤل أو الاختلاف خيانة وضعفًا في الانتماء.
6. الانجذاب المتزايد إلى الدعاية المتطرفة، والتواصل مع جهات أو أشخاص يسعون إلى التجنيد والاستقطاب.
7. الانتقال من تبرير العنف إلى التعبير عن نيّة فعلية لممارسته، أو الحديث عن أهداف وخطط للاعتداء عليها.
8. الانسحاب المتزايد من الأسرة والأصدقاء، بالتزامن مع العزلة الفكرية والانخراط في علاقات سرّية مرتبطة بخطابات أو جهات متطرفة.
9. تحولات ملحوظة في نقاشات الإرهابي وتفاعلاته ؛ المعلمون والمرشدون والأقران وزملاء العمل قد يكونون أول من يلحظ التغيرات في طريقة تفكيره وتعامله مع الاختلاف وتبريره للعنف.
ومن المهم التأكيد هنا على أنّ أي مؤشر منفرد لا يثبت التطرف، وأنّ التدين أو الاختلاف السياسي أو الفكري لا يعني تبنّي الإرهاب.
فالتطرف العنيف ظاهرة متعددة الأسباب، تتداخل فيها عوامل فكرية ونفسية واجتماعية وتنظيمية، ولا يجوز اختزالها في مظهر ديني أو موقف سياسي أو اختلاف فكري.
ثانيًا: كيف تلاحظ الأسرة هذه التحولات؟
* عدم تجاهل التغيرات الجذرية والمستمرة في أفكار الأبناء وسلوكهم.
* فتح حوار جاد دون تهديد أو إذلال أو إصدار أحكام مسبقة، مع احتوائهم.
* الاستماع إلى أفكارهم وفهم مصادر المعلومات والأشخاص الذين يؤثرون فيهم.
* تعليمهم احترام الاختلاف وتقبّل تعدد الآراء، من خلال الحوار واللّين والاحتواء، لا العنف والتهديد؛ بما يساعد على تجنب مزيد من الانغلاق والتشبّث بالأفكار المتطرفة، دون التنازل عن رفض العنف والتحريض.
* الاستعانة بمختصين نفسيين واجتماعيين لتقييم التغيرات وفهم أسبابها، دون افتراض مُسبق أنّ التطرف اضطراب نفسي، مع عدم إغفال احتمال وجود اضطرابات نفسية تستدعي التقييم.
* عدم مواجهة أي تهديد جدي أو محاولة تجنيد بمفردكم، والاستعانة بالجهات المختصة.
أما عند ظهور تهديد محدد أو نيّة جدية للاعتداء أو مؤشرات على التحضير له، فيجب إبلاغ الجهات الأمنية فورًا.
ثالثًا: ماذا عن المدرسة والجامعة؟
المؤسسات التعليمية ليست أماكن لتلقين المعلومات ومنح الشهادات فقط، بل هي خط الدفاع الوقائي الأول في بناء الوعي.
ونحتاج إلى:
* تدريب المعلمين والمرشدين على ملاحظة التحولات الفكرية والسلوكية والتعامل معها مهنيًا.
* تعزيز التفكير النقدي ومهارات الحوار والتحليل والتحقق من المعلومات.
* توفير مساحات آمنة للنقاش والاختلاف دون تخوين أو عقاب أو إقصاء.
* تطوير برامج الإرشاد النفسي والاجتماعي والتدخل المبكر.
* عدم الاكتفاء بالعقاب والفصل، بل فهم المشكلة ومعالجة أسبابها وفق إجراءات مهنية.
رابعًا: الإعلام ليس متفرجًا؛ بل شريك في صناعة الوعي أو تشويهه!
كيف يمكن إقناع جيل Z باحترام الاختلاف وتعدد الآراء، إذا كان الإعلام نفسه لا يعكس هذا الاختلاف؟
لا يمكن مخاطبة جيل جديد بعقلية إعلامية قديمة، ولا بناء وعي نقدي من خلال استضافة الأسماء نفسها، وتكرار النصوص والخطابات ذاتها، وإعادة تدوير الوجوه التي تقدم رؤية أحادية للواقع.
إنّ استدعاء المتحدثين من كتّاب "التدخل السريع"، وتكرار التحليلات الجاهزة، لا يصنع حوارًا عامًا ولا يثري وعي المجتمع، سيّما جيل Z الذي يحتاج إلى خطاب يحترم ذكاءه وأسئلته، لا إلى إجابات جاهزة ووجوه تتكرر على الشاشات.
نحتاج إلى:
* تنويع الخبراء والمتحدثين، وإتاحة المجال للباحثين والمتخصصين الشباب وأصحاب الخبرة الميدانية.
* تقديم آراء متعددة ومتباينة، لا أصوات متشابهة تتبادل تأكيد الأفكار نفسها.
* استضافة علماء الاجتماع والنفس والتربية والقانون، إلى جانب المختصين الأمنيين.
* الانتقال من الخطاب الوعظي والتلقيني إلى النقاش والتحليل وتقديم المعرفة الموثوقة.
* مخاطبة جيل Z بلغته وأدواته، واحترام قدرته على السؤال والنقد، بدل التعامل معه باعتباره متلقيًا سلبيًا.
الإعلام الذي لا يحتمل تعدد الأصوات لا يستطيع أن يعلّم المجتمع احترام الاختلاف!
خامسًا: السؤال الأصعب موجه إلى أصحاب القرار.
هل ننتظر وقوع الجريمة حتى نبدأ البحث عن الأسباب؟
إنّ الوقاية من الإرهاب مسؤولية مؤسسية مشتركة، ولا يجوز اختزالها في الأجهزة الأمنية وحدها.
نحتاج إلى:
* سياسات تعليمية وثقافية تعزز المواطنة وسيادة القانون بشكل تطبيقي لا نظري.
* عدالة اجتماعية وتكافؤ فرص ومؤسسات تحظى بثقة الشباب وتحتضن طاقاتهم وإبداعاتهم وتوجهها.
* برامج وطنية متخصصة للوقاية من التطرف والتدخل المبكر.
* مكافحة خطاب الكراهية والتحريض، أيًّا كان مصدره أو الجهة التي تتبناه؛ فالخطاب "العنصري" أيضًا شكل من أشكال التطرف الإقصائي، وقد يشكل أرضية للتحريض والعنف.
* ضمان ألا تتحول مكافحة الإرهاب إلى ذريعة لتقييد الحريات وتكميم الأفواه أو تجريم الاختلاف والنقد.
* مراقبة حثيثة للخارجين من السجون، بعيدًا عن العواطف والواسطات والتساهل، مع إخضاعهم لتقييم نفسي وسلوكي من قِبل مختصين، والتحقق من مدى استعدادهم للاندماج الآمن في المجتمع قبل إعادة إدماجهم فيه، مع ضمان المتابعة المستمرة بعد الإفراج عنهم.
أخيرًا:
لا يكفي أن نسأل: كيف نكتشف الإرهابي في بيوتنا؟
بل علينا أن نسأل أيضًا: هل نوفر لأبنائنا أسرة آمنة تحتضنهم وتعليمًا يحمي عقولهم؟ وإعلامًا يحترم ذكاءهم؟ ومؤسسات تمنحهم الثقة والفرص؟ وبيئة تحميهم وتسمح لهم بالاختلاف دون خوف؟
إنّ مكافحة الإرهاب لا تبدأ عند اكتشاف السلاح أو رصد الاستعداد لاستخدامه، بل تبدأ من بناء الوعي الذي يرفض تبرير العنف واستباحة حياة الأبرياء.
فحماية المجتمع ليست مسؤولية الأجهزة الأمنية وحدها؛ إنها مسؤولية كل بيت ومدرسة وجامعة ومؤسسة إعلامية، وكل جهة تصنع وعي هذا المجتمع وتؤثر في مستقبله.
فكيف نعلّم أبناءنا احترام الاختلاف وتقبّله، وهم لا يرون آباءً وأمهات يحترمون آراءهم ويصغون إلى اختلافهم، ولا معلّمًا يتقبّل الحوار والرأي الآخر، ولا إعلامًا يعكس تعددية المجتمع، ولا صاحب قرار يتسع صدره للنقد دون أن يعاقب أصحابه؟!
فلا يمكننا أن نطالب جيلًا باحترام الاختلاف، بينما نحرمه من رؤيته سلوكًا وممارسةً في البيت والمدرسة والإعلام ومؤسسات الدولة.
فاحترام الاختلاف لا نُربّي عليه بالمواعظ، بل بالقدوة والممارسة ..



