بقلم:عمر الدريني
الحادثة التي يجب ألا تمرّ: من الاستجابة إلى المراجعة
قد تنتهي الحادثة، وتُستكمل إجراءات التعامل معها، وتعود الحياة إلى مسارها المعتاد، لكن ذلك لا يعني أن كل ما ينبغي فعله قد أُنجز، فبعض الأحداث تترك وراءها أسئلة لا يصح أن تُطوى مع انتهاء الخطر: هل كانت الإجراءات كافية؟ هل أدّت وسائل الاتصال والتنسيق دورها كما ينبغي؟ وهل كشفت التجربة عن جوانب تحتاج إلى مراجعة أو تطوير؟ هنا تبدأ مسؤولية أخرى لا تقل أهمية عن الاستجابة العاجلة، هي أن تتعلم المؤسسة مما حدث، حتى لا يتكرر ما يمكن تلافيه.
الحادثة التي أودت بحياة أحد مرتبات الأمن العام في العاصمة شهيد الواجب العريف جواد السلايطة رحمه الله تستدعي الحزن والتضامن، وتفرض احترام التحقيق وانتظار ما تسفر عنه إجراءاته، وفي الوقت نفسه، فإن الدعوة إلى مراجعة مهنية بعد اكتمال تثبيت الوقائع لا تعني اتهامًا مسبقًا لأي جهة أو فرد، ولا تنتقص من الجهود التي بُذلت في التعامل مع الحدث، فالمراجعة المؤسسية ليست محاكمة إعلامية، وإنما مسار منظم لفهم ما جرى، وتحديد العوامل التي أحاطت به، واستخلاص ما يمكن أن يحسّن الأداء ويحمي الأرواح مستقبلًا.
في المؤسسات التي تتعامل بجدية مع مسؤولياتها، لا تُعد مراجعة الحوادث اعترافًا بالفشل، ولا ينبغي أن تُفهم بوصفها بحثًا عن شخص يُحمَّل وحده تبعات ما وقع، فقد تكون الإجراءات سليمة في أصلها، لكن ظروف التنفيذ تكشف عن حاجة إلى تحديث التدريب، أو تحسين وسائل الاتصال، أو إعادة توزيع الأدوار، أو تطوير آليات تقدير المخاطر، وقد تظهر أيضًا فجوة بين التعليمات المكتوبة وما يواجهه العاملون على أرض الواقع، والمهم أن تُقرأ هذه المؤشرات بموضوعية، وأن تستند القرارات الناتجة عنها إلى الوقائع والأدلة، لا إلى الانطباعات أو ضغط اللحظة.
ومن الضروري هنا التمييز بين ثلاثة مسارات متكاملة، لكنها ليست متطابقة، فالتحقيق الجنائي يختص بتحديد الأفعال والمسؤوليات وجمع الأدلة وفق القانون، أما المراجعة الإدارية فتنظر في الإجراءات وتوزيع المهام ومستوى الالتزام بالتعليمات، في حين يتناول التقييم المؤسسي الأوسع كفاءة السياسات والتدريب والموارد والاستعداد للمخاطر، ولكل مسار غايته وأدواته وضوابطه؛ فلا يجوز أن تحل المراجعة الإدارية محل المساءلة القانونية إذا ثبتت مخالفة، كما لا ينبغي أن تتحول المراجعة إلى وسيلة لاستباق نتائج التحقيق أو التأثير فيه.
غير أن قيمة المراجعة لا تظهر في إعداد تقرير يضاف إلى الملفات، وإنما في ما يتغير بعده، فالتوصية التي لا تجد طريقها إلى التنفيذ لا تحمي أحدًا، ومن هنا، ينبغي أن تتضمن النتائج إجراءات محددة، وجهة مسؤولة عن تنفيذها، وجدولًا زمنيًا واقعيًا، وموارد لازمة، وآلية لمتابعة ما أُنجز وقياس أثره، والأهم أن يُعاد تقييم الإجراء بعد تطبيقه؛ فقد يبدو الحل مناسبًا على الورق، لكنه لا يحقق النتيجة المطلوبة في الميدان، أو يعالج جانبًا من المشكلة ويترك جانبًا آخر دون معالجة.
ولأن التقارير المكتبية لا تكشف دائمًا كل ما يحدث في الميدان، فإن الاستماع إلى أصحاب الخبرة والعاملين الذين يباشرون مهامهم على الأرض يمثل جزءًا مهمًا من أي مراجعة جادة، فهم الأقدر على وصف الصعوبات العملية، وبيان مواطن التعثر، وتوضيح الفارق بين ما تنص عليه التعليمات وما تسمح به ظروف العمل، على أن يتم ذلك ضمن ضوابط واضحة تحمي سرية المعلومات وحقوق الأفراد، وتحافظ على سلامة التحقيق ومتطلبات الأمن العام.
ولا ينبغي أن تنتظر المؤسسات وقوع حادثة جسيمة حتى تبدأ بمراجعة أدائها، فالتعثرات المحدودة، والإنذارات المبكرة، والمواقف التي كادت أن تنتهي بأذى، تحمل بدورها إشارات تستحق الانتباه، وقد تكون معالجة خلل صغير في وقته أكثر فاعلية وأقل كلفة من التعامل مع نتائجه بعد أن يتفاقم، والمؤسسة التي تصغي إلى هذه الإشارات لا تبحث عن الأخطاء لمجرد تسجيلها، بل تسعى إلى منع تحولها إلى خسائر يصعب تعويضها.
إن الوفاء لمن فقد حياته أثناء أداء واجبه لا يكتمل بالتعازي والبيانات وحدها، مهما كانت صادقة ومقدّرة، ومن حق المجتمع، بعد اكتمال التحقيق وبالقدر الذي تسمح به مقتضيات القانون، أن يعرف أن ما أظهرته الحادثة من دروس لم يُهمل، وأن ما ثبتت الحاجة إلى تحسينه قد وُضع موضع التنفيذ، فليس المطلوب أن تتحول كل حادثة إلى اتهام، ولا أن تُغلق الأسئلة باسم انتهاء الإجراءات؛ المطلوب أن تُصان الحقيقة، وأن تُحترم المسؤوليات، وأن يصبح التعلم جزءًا ثابتًا من أداء المؤسسات.
فالحدث الذي لا نتعلم منه قد يتكرر، أما المراجعة الجادة فتمنح الألم معنى عمليًا: أن تكون حماية الأرواح في المرة القادمة أفضل.
رحم الله شهيد الواجب العريف جواد السلايطة وألهم أهله وذويه الصبر والسلوان



