خبرني - لم يعد استخدام الطلبة للذكاء الاصطناعي مقتصرًا على حل الواجبات المدرسية أو البحث عن المعلومات، بل امتد إلى مواقف أكثر ارتباطًا بحياتهم الشخصية، كطلب النصيحة في خلاف مع صديق، أو البحث عن كلمات تعبّر عن مشاعر يصعب وصفها. وهنا تبرز قضية تربوية تستحق الاهتمام: هل تساعد هذه الأدوات الطلبة على تطوير مهارات التواصل، أم تزيد اعتمادهم على إجابات جاهزة في مواقف تتطلب فهمًا للمشاعر وتحملًا للمسؤولية؟
سلّط موقع «أكسيوس» الأمريكي الضوء على هذه القضية في تقرير نشره عام 2025، استند إلى دراسة أجرتها مؤسسة «كومن سنس ميديا»، وشملت 1060 مراهقًا أمريكيًا تتراوح أعمارهم بين 13 و17 عامًا. وأظهرت النتائج أن 72% منهم سبق لهم استخدام تطبيقات «الرفقاء الاصطناعيين»، التي تتيح محادثة شخصيات رقمية عبر النص أو الصوت. كما أفاد 39% من مستخدمي هذه التطبيقات بأنهم طبّقوا في حياتهم اليومية مهارات اجتماعية مارسوها خلال المحادثات الرقمية، مثل بدء الحوار والتعبير عن المشاعر وحل الخلافات. ومع ذلك، فإن هذه النتائج تستند إلى إفادات المشاركين، ولا تثبت بالضرورة تحسن مهاراتهم الاجتماعية.
وتشير هذه المؤشرات إلى أن المراهق قد يجد في المحادثة الرقمية مساحة لترتيب أفكاره وتجربة عبارات يتردّد في قولها، لكنّ التحدي يبدأ عند الانتقال إلى التواصل المباشر. فالاعتذار مثلًا لا تقتصر قيمته على اختيار كلمات مناسبة، بل يتطلب فهم أثر السلوك في الآخرين، والقدرة على الإصغاء وتحمل المسؤولية. وقد تكون الرسالة التي يصوغها الذكاء الاصطناعي متقنة لغويًا، لكنها لا تعكس بالضرورة فهم الطالب لمعناها.
وفي الأردن، تزداد أهمية هذا النقاش مع اتساع انتشار التكنولوجيا الرقمية؛ إذ أظهرت نتائج مسح وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة لعام 2024 توافر الإنترنت المنزلي لدى 96.5% من الأسر الأردنية. ورغم أن هذه النسبة لا تعكس حجم استخدام الطلبة للرفقاء الاصطناعيين، فإنها تبرز الحاجة إلى دراسات محلية لفهم طبيعة هذا الاستخدام وتأثيره المحتمل في تواصلهم وعلاقاتهم الاجتماعية.
ومن هنا، تبرز مسؤولية المناهج المدرسية في تنمية مهارات الكتابة والتعبير والتفكير الناقد، وإتاحة الفرصة للطلبة لصياغة أفكارهم ومشاعرهم بلغتهم الخاصة. ويمكن توظيف الذكاء الاصطناعي لدعم هذه المهارات، كأن يكتب الطالب نصّه أولًا، ثم يستعين بالأداة لتحسين صياغته، مع قدرته على تفسير التعديلات التي أجراها.
كما يستطيع المعلم توظيف الإجابات الرقمية في أنشطة تتطلب المقارنة والتحليل وفحص الأدلة، بحيث يُقيَّم الطالب على قدرته على التفكير والتبرير، وليس فقط على جودة النص الذي يقدّمه. ويكتمل هذا الدور بمساندة الأسرة، من خلال تشجيع الأبناء على الحوار والتعبير عن مشاعرهم، ومناقشة النصائح الرقمية التي يعتمدون عليها، وتوعيتهم بأهمية حماية خصوصيتهم.
وفي النهاية، لا تكمن القضية في قدرة الذكاء الاصطناعي على صياغة رسالة جميلة أو تقديم نصيحة مقنعة، بل في قدرة الطالب على فهم ما يقوله وتقدير أثر كلماته وتحمل مسؤولية قراراته. فالتكنولوجيا قد تساعده على اختيار الكلمات، لكنها لا تستطيع أن تتحمل عنه مسؤولية ما تعنيه.



