الغول: لماذا كانت الآثار من أولويات الإدارة الاستعمارية قبل المدارس والمستشفيات والطرق؟
الغول : المشكلة التي واجهت الحفريات أنها لم تتعامل مع القدس باعتبارها مدينة تعاقبت عليها حضارات وشعوب متعددة
الغول الحفريات ركزت على المرحلة الإسرائيلية القديمة، وكأن المدينة لم يسكنها أحد غير الإسرائيليين
حازم عكروش.
تناول أستاذ علم الآثار في كلية الآثار والأنثروبولوجيا بجامعة اليرموك – الأردن الدكتور عمر الغول في مؤتمر العرب المسيحيين الثاني «أصالة الإيمان وعروبة الهوية» بتنظيم من جمعية الثقافة والتعليم الأرثوذكسية في عمّان العلاقة بين علم الآثار والروايات الدينية والتاريخية، وكيف تحولت بعض الحفريات والتنقيبات الأثرية في فلسطين والأردن إلى أدوات لتقديم رواية تاريخية تخدم المشروع الصهيوني.
واستعرض الغول نماذج تاريخية وأثرية من القدس وأريحا ومواقع أخرى، متتبعاً تطور الاهتمام الغربي والإسرائيلي بالآثار، ودور المؤسسات الأثرية والباحثين في البحث عن شواهد تتصل بالروايات الواردة في العهد القديم، مشيراً إلى أن الإشكالية الأساسية تتمثل في محاولة إثبات رواية دينية مسبقة من خلال تفسير المكتشفات الأثرية، بدلاً من إخضاع تلك الرواية للأدلة العلمية.
وطرح المحاضر سؤالاً محورياً حول دوافع الاهتمام الاستعماري بالآثار، قائلاً: لماذا كانت الآثار من أولويات الإدارة الاستعمارية، قبل المدارس والمستشفيات والطرق؟
واعتبر أن الإجابة ترتبط باستخدام التاريخ وسيلة لتبرير السيطرة على الأرض، وإعادة تشكيل الوعي بهويتها وسكانها، مؤكداً أن مواجهة هذه المحاولات لا تكون بالشعارات أو الاكتفاء بالاعتراض السياسي، وإنما بالبحث العلمي والتنقيب الأثري المستقل وإعادة كتابة التاريخ استناداً إلى الوثائق والأدلة.
إسقاط النص التوراتي على المكتشفات الأثرية
قال الغول إن إحدى الإشكاليات الأساسية في علم الآثار التوراتي تقوم على محاولة ربط المواقع الأثرية الموجودة اليوم بالماضي البعيد، وتجاوز المراحل التاريخية المتعاقبة التي شهدتها هذه المواقع، وصولاً إلى إثبات روايات محددة وردت في العهد القديم.
وأوضح أن هذا المنهج أنتج كثيراً من القراءات والتفسيرات التي تحتاج إلى مراجعة علمية دقيقة، مستشهداً بالكولونيل تشارلز وارن، أحد ضباط المساحة البريطانيين، الذي بحث في القدس عن الأنفاق مستنداً إلى ما ورد في العهد القديم، ولا سيما الآية السابعة من الأصحاح الخامس من سفر صموئيل الثاني، التي تتحدث عن دخول داود إلى القدس من خلال نفق.
وأشار إلى أن وارن ذهب إلى القدس وبحث عن الأنفاق، وعندما عثر على أحدها قال إنه النفق الذي دخل منه داود إلى المدينة.
وتساءل الغول عن الدليل الأثري الذي يثبت هذه النسبة، موضحاً أنه لم يظهر في هذه الأبحاث نص أثري واحد يؤكد أن هذا هو النفق الذي استخدمه داود.
وأضاف أنه من غير المنطقي أن يذكر كتاب ديني نفقاً قبل ثلاثة آلاف سنة، ثم نعثر في مدينة واسعة تضم مئات الأنفاق على نفق واحد ونقرر أنه المقصود.
وقال: لو عثرنا على نقش يقول إن داود حفر هذا النفق، لكان الأمر مختلفاً، لكن ذلك لم يحدث.
واعتبر أن هذا المثال يوضح كيفية توظيف النص الديني في تفسير المكتشفات الأثرية، بدلاً من إخضاع الرواية التاريخية للأدلة العلمية.
أسوار أريحا والرواية التوراتية
وتوقف الغول عند مدينة أريحا، وتحديداً تل السلطان، حيث ارتبطت الحفريات التي أجراها جون غارستانغ، الذي أصبح لاحقاً أول مدير لدائرة الآثار الفلسطينية، بمحاولة البحث عن أدلة تتصل بقصة دخول بني إسرائيل إلى أرض كنعان.
وأشار إلى أن إحدى اللوحات التي تعود إلى القرون الوسطى تعرض قصة سقوط أسوار أريحا كما وردت في العهد القديم، حين أُمر بنو إسرائيل بالطواف حول المدينة والنفخ في الأبواق، فتساقطت أسوارها.
وأضاف أنه عندما عثر المنقبون على برج في الموقع، جرى تقديمه باعتباره البرج الذي يثبت الرواية التوراتية، إلا أن خبراء الآثار توصلوا لاحقاً إلى أن البرج أقدم من التاريخ التوراتي المفترض بعدة آلاف من السنين.
وأكد أهمية الفصل بين النص الديني والتفسير الأثري، وعدم تحويل كل اكتشاف إلى دليل مسبق على صحة رواية تاريخية بعينها.
من الاهتمام المسيحي بالآثار إلى المشروع الصهيوني
واستشهد الغول بما كتبه الأديب الأميركي مارك توين، الذي زار القدس عام 1867، في كتاباته الساخرة عن بعض الممارسات التي شاهدها لدى الأدلاء السياحيين الفلسطينيين، الذين كانوا يشيرون إلى أبراج وأدراج وينسبونها إلى داود وسليمان.
وأوضح أن توين سخر من هذه الروايات، مشيراً إلى أن الأبنية التي كانوا يعرضونها تعود في الحقيقة إلى فترات إسلامية متأخرة.
ولفت إلى أن الأدلاء السياحيين كانوا يروجون للرواية التوراتية، وربما لم يكونوا يجدون تناقضاً كبيراً في ذلك.
وقال إن معظم الجهود الأثرية في القرن التاسع عشر كانت ذات طابع مسيحي، لكن المشهد بدأ يتغير مع انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول عام 1897، إذ دخلت الأبحاث الأثرية ضمن سياق سياسي ولوجستي أوسع مرتبط بالحركة الصهيونية ومشروعها في فلسطين.
ثم جاء وعد بلفور عام 1917، فالانتداب البريطاني على فلسطين عام 1921.
لماذا كانت الآثار من أولويات الإدارة الاستعمارية؟
توقف الغول عند تأسيس دائرة الآثار الفلسطينية، مشيراً إلى أنها كانت من أوائل المؤسسات التي أُنشئت في عهد الانتداب البريطاني، قبل إنشاء كثير من المؤسسات والخدمات الأساسية.
وطرح تساؤلاً: لماذا كانت الآثار من أولويات الإدارة الاستعمارية قبل المدارس والمستشفيات والطرق؟
وقال إن الاهتمام بالإنسان القديم، من وجهة نظر المستعمر، قد يكون أكثر أهمية من الاهتمام بالإنسان الحاضر، عندما يصبح التاريخ أداة لتبرير السيطرة على الأرض.
كما أشار إلى أن الإدارة البريطانية وضعت تشريعات للآثار جعلت الحد الزمني للأثر يعود إلى عام 1750، بحيث لم تكن الموجودات اللاحقة لهذا التاريخ تحظى بالحماية نفسها بوصفها آثاراً.
ورأى أن هذا الأمر ترك أثراً في علاقة الإنسان الفلسطيني والأردني بتراثه الحضاري، وما زالت إشكاليته حاضرة في النقاش حول التشريعات الأثرية حتى اليوم.
ويليام أولبرايت وتأسيس علم الآثار التوراتي
وانتقل الغول إلى المدرسة الأميركية للآثار في القدس، متوقفاً عند ويليام أولبرايت، الذي يوصف عادة بأنه أحد أبرز مؤسسي علم الآثار التوراتي الحديث.
وقال إن أولبرايت توفي أواخر عام 1971، وورد في بعض كلمات التأبين وصف له بأنه لم يكن يهودياً، بل مسيحياً صهيونياً، أي مسيحياً مؤيداً للحركة الصهيونية.
وأشار إلى أن أولبرايت مارس التنقيب في فلسطين، وأصدر مجلة متخصصة في الدراسات الأثرية.
أما بالنسبة إلى الأردن، فأوضح أن أولبرايت كلف نيلسون غلوك بإجراء مسح أثري للأردن، في موازاة أعمال المسح الأثري في فلسطين.
واستشهد بموقع تل حسبان بوصفه أحد الأمثلة الأردنية على توظيف النص التوراتي في تفسير المواقع الأثرية، حيث ارتبطت أعمال التنقيب فيه بمحاولة قراءة الموقع في ضوء ما ورد في سفر العدد.
الحفريات الإسرائيلية في القدس بعد احتلال عام 1967
وقال الغول إن احتلال القدس عام 1967 شكل بداية مرحلة جديدة من الحفريات الإسرائيلية في المدينة.
وعرض صوراً لموشيه ديان، أحد أبرز الشخصيات الإسرائيلية المهتمة بالآثار، وهو يتجول في شوارع القدس بعد الخامس من حزيران، ثم أشار إلى الحفريات الواسعة التي بدأت في المدينة، ومن بينها حفريات بنيامين مزار.
وأوضح أن المشكلة التي واجهت هذه الحفريات أنها لم تتعامل مع القدس باعتبارها مدينة تعاقبت عليها حضارات وشعوب متعددة، بل ركزت على المرحلة الإسرائيلية القديمة، وكأن المدينة لم يسكنها أحد غير الإسرائيليين.
ونقل عن زميله الدكتور روبرت شيك أن أعمال الحفر والجرف أدت إلى إزالة طبقات أثرية إسلامية بلغ سمكها نحو سبعة أمتار.
ودعا إلى التوقف عند أهمية هذه الطبقات، مشيراً إلى إمكانية أن يوضح الدكتور زيدان كفافي، المتخصص في علم الآثار، حجم ما يمكن أن تحتويه سبعة أمتار من التراكمات الأثرية والتاريخية.
وأكد أن المنطلق في مثل هذه الممارسات كان تمييزياً؛ إذ تُعد آثار معينة مهمة، في حين يجري التعامل مع آثار أخرى وكأنها لا تستحق الحماية، حتى لو أزيلت بالجرافات.
قصر داود والبيت المحروق: أين الدليل الأثري؟
واستعرض الغول ثلاثة أمثلة توضح طبيعة الإشكالية في تفسير المكتشفات الأثرية في القدس.
أولاً: المبنى المدرج وقصر داود
تحدث عن المبنى الذي أطلق عليه اسم «المبنى المدرج»، والذي عثرت عليه إيلات مزار، وقدمت تفسيراً له باعتباره قصر داود.
وأشار إلى عدم العثور على كتابة أثرية تثبت هذه النسبة، كما لم تقدم المكتشفات الفخارية دليلاً حاسماً على التاريخ الذي نسب إليه المبنى.
وأضاف أن هناك تقديرات أثرية تشير إلى أن المبنى قد يكون أحدث من القرن العاشر قبل الميلاد بنحو ألف سنة.
ومع ذلك، انتشرت الرواية إعلامياً، وتناقلتها الأفلام الوثائقية، وتحولت إلى حقيقة لدى قطاعات واسعة من الجمهور.
ثانياً: البرج المنسوب إلى داود
وتوقف عند برج آخر نُسب إلى داود، من دون وجود أدلة أثرية قاطعة تثبت هذه النسبة.
ثالثاً: البيت المحروق
أما المثال الثالث فهو ما يعرف باسم «البيت المحروق» في القدس.
وقال الغول إن السياح الأميركيين، من اليهود والمسيحيين، يؤخذون إلى هذا الموقع، ويقال لهم إن البيت احترق خلال المواجهات التي خاضها اليهود ضد الهجوم الروماني.
ويستدل على ذلك بالعثور على سبعة رؤوس سهام داخل المنزل.
لكنه أشار إلى عدم العثور على نقش أو كتابة تثبت تاريخ بناء البيت، أو تحدد سبب احتراقه، أو تؤكد ارتباطه بتلك الحادثة.
وأوضح أن البيوت في تلك الفترة كانت تبنى بأسقف خشبية وتحتوي على مواقد، ومن الطبيعي أن تتعرض للاحتراق لأسباب متعددة.
وشدد على أنه لا يجوز تحويل مجرد العثور على رؤوس سهام وآثار حريق إلى إثبات قاطع لرواية تاريخية.
تحويل السياح إلى شركاء في التنقيب التوراتي
وتحدث الغول عن ظاهرة يعرفها أهل القدس، تتمثل في إخراج السياح من الإطار الأكاديمي للبحث الأثري وإشراكهم في عمليات التنقيب.
وعرض صوراً لمجموعات من السياح، وأمام كل منهم أدوات للحفر، ويطلب منهم البحث عن آثار قديمة، وكأن كل سائح أصبح شريكاً في التنقيب عن الآثار التوراتية.
وطرح تساؤلاً: هل يعقل أن نتعامل مع القدس وكأن أحداً لم يسكنها إلا في القرون العاشر والتاسع والثامن قبل الميلاد؟ ألا توجد فيها آثار أيوبية ومملوكية وبيزنطية وإسلامية وغيرها؟
وأشار إلى أمثلة تثير تساؤلات علمية، من بينها العثور على خاتم قيل إنه يحمل اسم شخص ورد في العهد القديم.
وتساءل عن كيفية تصديق هذه النسبة من دون سياق أثري موثق، ومن دون معرفة دقيقة بظروف العثور على القطعة.
وأكد أنه لا يجوز بناء تاريخ مدينة، أو تقديم مطالبات سياسية وتاريخية، استناداً إلى اكتشافات لا تستوفي الشروط العلمية.
الحرم الشريف والقرارات الدولية
وفي سياق الحديث عن القدس ومقدساتها، أشار الغول إلى الجهود الأردنية في الدفاع عن الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في المدينة.
وقال إن هذه الجهود تأتي في مواجهة محاولات إسرائيلية متواصلة لفرض رواية تاريخية ودينية على المدينة ومقدساتها.
ولفت إلى أهمية قرارات منظمة اليونسكو التي أكدت الهوية الإسلامية للمسجد الأقصى والحرم الشريف، ورفضت محاولات تغيير طابعه التاريخي والقانوني.
علم الآثار التوراتي لم ينتهِ.. تل الحمام نموذجاً
وأكد الغول أن علم الآثار التوراتي لم ينتهِ، بل ما زال حياً ويتمدد بسرعة، ولم يعد محصوراً في فلسطين، وإنما امتد إلى مواقع في الأردن أيضاً.
واستشهد بموقع تل الحمام في الأردن، حيث أمضى فريق أميركي سنوات في دراسة الموقع، وخرج بفرضية تقول إن تل الحمام هو مدينة سدوم المذكورة في الرواية التوراتية، وإن تدميرها حدث نتيجة اصطدام نيزك بالأرض.
وأوضح أن الفريق استند إلى دراسات مخبرية وتحليلات للصخور، وطرح ادعاءات بشأن تعرض الموقع لدرجات حرارة شديدة الارتفاع، وربط ذلك بحدث كوني.
لكن هذه الفرضية أثارت جدلاً علمياً واسعاً، ولا يجوز التعامل معها باعتبارها حقيقة تاريخية محسومة.
ورأى أن هذا المثال يؤكد استمرار توظيف علم الآثار في خدمة الروايات التوراتية، واتساع نطاقه ليشمل مواقع أردنية.
تقسيمات أراضي الأسباط شرق نهر الأردن
وتطرق الغول إلى تقسيم أراضي الأسباط في الرواية التوراتية، حيث ترد أسماء جلعاد وروبين ومنسى في المناطق الواقعة شرق نهر الأردن.
وطرح تساؤلاً حول إمكانية وجود تصورات أو خطط تستند إلى هذه التقسيمات التوراتية وتتصل بالمناطق الأردنية التي ترد ضمن تلك الروايات.
وقال إن مجرد وجود هذه التصورات يستدعي الانتباه والبحث العلمي والسياسي الجاد.
الحل في العلم وإعادة كتابة التاريخ
وفي ختام محاضرته، عاد الغول إلى السؤال الذي طرحه الدكتور مامان وآخرون: ما الحل؟
وأجاب بأن الحل في العلم.
وقال إن ما شهدناه في بعض هذه الأمثلة هو تلفيق وتهريج، مع الأسف، على أيدي باحثين يحملون ألقاباً علمية كبيرة.
لكنه شدد على أن مواجهة ذلك لا تكون بالمكابرة أو النفي أو الاكتفاء بالخطاب السياسي، على الرغم من أهمية النقاشات والندوات التي تعقد في هذا المجال.
وأضاف أن المواجهة الحقيقية تكون بالتنقيب العلمي الرصين، والبحث التاريخي الموثق، وإعادة قراءة المكتشفات الأثرية وفق مناهج علمية مستقلة، وإعادة كتابة تاريخنا كما ينبغي أن يُكتب.
وأكد أن هذه مسؤولية الباحثين والآثاريين والمؤرخين العرب، موضحاً أن رفض كتابة تاريخنا بصورة غير صحيحة لا يكفي وحده، بل يجب أن تقترن الاعتراضات بتقديم الأدلة والوثائق والبحوث التي تكتب التاريخ كما كان بالفعل.
وختم الدكتور عمر الغول بالتأكيد على أن استعادة التاريخ لا تتحقق بمجرد رفض الروايات التي لا تستند إلى أدلة، وإنما بإنتاج معرفة أثرية وتاريخية موثقة، قادرة على قراءة الأرض وطبقاتها الحضارية بكل ما شهدته من تعاقب للحضارات والشعوب والثقافات.
وبذلك تضع المحاضرة مسؤولية كبيرة أمام الباحثين والمؤرخين والآثاريين العرب، تتمثل في الانتقال من الاعتراض على الروايات التي يعاد توظيفها سياسياً إلى إنتاج المعرفة العلمية المستقلة، والدفاع عن التاريخ الحضاري لفلسطين والأردن، بكل مراحله وشواهده وآثاره.



