في العادة وعند كتابة أي مقال يتم كتابة مقدمة عن الموضوع، ولكن بخصوص موضوع التعايش الديني في الاردن، أعتقد أن الجميع يعرف عن مدى التعايش السلمي بين مسلمي ومسيحيي المملكة من شمالها إلى جنوبها ولكنني سأسرد هنا مواقف حدثت معي شخصيًا باسهاب اولاها: منذ ما يقارب 30 عام وأنا على صداقة أخوية مع عائلة من عشيرة قموه السلطية العريقة، وفي أحد الأيام تعرضت إلى مشكلة ولجأت اليهم وأثناء تواجدي في منزلهم وخلال شرحي لتفاصيل المشكلة قلت لهم صلوا على النبي فقال جميع الحاضرين اللهم صل علي على محمد بعفوية ودون تردد، وفي موقف مشابه قريباً، أثناء زيارتي لأحد المنشآت وخلال شرحي لقانون الضمان الاجتماعي لأحد الموظفين، قلت له صل على النبي فصلى عليه دون تردد، وتبين لي في نهاية الزيارة بأنه مسيحي اردني من الحصن في محافظة اربد، فاعتذرت له فقال لي له يا ابن عمي اللهم صل على موسى وعيسى ومحمد وجميع الأنبياء والرسل.. ودار حوار بيننا شارك به مسيحي اردني من اصول فلسطينية تناولنا خلاله قضايا دينية واقتصادية وسياسية تهم مجتمعنا الاردني عنوانه حب الأردن.
وفي موقف أخير اسرده قامت عائلة حداد بتأخير غداء المجبرين ليتوافق مع افطار الصائمين في رمضان ..القصص كثيرة حول هذا الموضوع ومعروفة للقاصي والداني عن مدى التعايش السلمي على المستوى الأهلي والرسمي في الاردن، وهناك من الزعماء المسيحيين الأردنيين الذين سطروا بدمائهم اسمى آيات التضحية على ثرى هذا الوطن العظيم، ولا زال منهم الكثير يقدم كما يقدم أخيه المسلم للوطن سواء كان عسكري او موظف حكومي أو عامل او نائب أو وزير أو تاجر أو طبيب وفي كافة المجالات وعلى كافة الصعد.
الإرهاب لا يرتبط بدين سماوي صحيح أبداً، بل يرتبط بسلوك ومرض نفسي وشذوذ فكري، يؤدي بحامله الى التفكير بطريقة همجية غير إنسانية، فهتلر ونتنياهو وستالين وماوتسي تونغ وبوش وترامب وحتى جانكيز خان وغيرهم الكثير أعمالهم الوحشية نابعة من تطرف فكري حالهم حال مرتكبي مجزرة الكرك الإرهابية، ولا يمكن ربط تصرفاتهم الشاذة بأي ديانة سماوية، والمتصيدين على مواقع التواصل الاجتماعي من جميع الأطراف مثيري الفتنة ليسوا بأفضل من الارهابيين أنفسهم، ومحاربة هذه الآفات والأفكار تبدأ من المنزل مرورا بالمدرسة ودور العبادة ثم إلى السياسات العامة للدولة انتهاء بقرارات دولية عالمية مشتركة تضمن السلم المجتمعي والأممي وتقديم المجرمين على كافة مستوياتهم للعدالة.
نعزي أنفسنا وكافة اطياف المجتمع الأردني بهذا المصاب الجلل، وننبذ اي تطرف فكري او ردات فعل من شأنها تقويض نسيجنا الاجتماعي المتماسك بفضل الله اولاً ثم بفضل ما تربينا عليه من ثوابت دينية ومجتمعية صحيحة، وبفضل قيادتنا الحكيمة، رحم الله الشهداء، وشافى المصابين وحفظ أردننا العزيز شامخًا عصيًا على أيادي الغدر ومروجي الفتنة.



