ليس أخطر ما يفعله الإرهاب أنه ينتزع أرواحًا بريئة؛ فهذه جريمته المباشرة، وهي وحدها فادحة بما يكفي. الأخطر أنه يريد أن يترك وراءه مجتمعًا مختلفًا: أقل ثقة، وأكثر خوفًا، وأسرع إلى الارتياب من جاره. يريد أن يتحول الألم إلى جدار، وأن يصبح اختلافنا سببًا للحذر بدل أن يكون جزءًا طبيعيًا من حكايتنا الأردنية.
لهذا لا يكون السؤال، بعد كل جريمة، كيف وقع ما وقع فحسب، بل ماذا يراد لنا أن نفعل بعده؟ هل نكتفي بالحزن، أم نسمح للحزن أن يُستثمر في بث الشك والفرقة؟ هل نطلب الحقيقة والعدالة، أم نندفع إلى ملء فراغ المعلومات بالشائعات والاتهامات؟ فالإرهاب لا يكتفي بما تفعله رصاصته؛ يراهن أيضًا على ما قد تفعله كلماتنا حين نطلقها بلا تثبّت، وعلى ما قد تفعله مخاوفنا حين تتحول إلى أحكام على جماعات كاملة.
أقول ذلك بصفتي أردنية، وبصفتي أؤمن أن الاقتصاد، في جوهره، ليس أرقامًا وأسواقًا فقط؛ إنه أيضًا شبكة ثقة بين الناس. حين يطمئن المواطن إلى أن كرامته مصونة، وأن اختلافه لا ينتقص من حقه في الأمان والمواطنة، يستطيع أن يعمل ويخطط ويشارك في بناء مستقبله. وحين تتصدع هذه الثقة، لا تتضرر العلاقات وحدها؛ يتراجع شعور الناس بأن لهم وطنًا يتسع لهم جميعًا، وتتآكل الشروط التي تجعل المجتمع قادرًا على النهوض بعد المحن.
لكن التماسك لا يُفرض على الناس بطلب الصمت، ولا يُبنى بترديد أن كل شيء بخير. الحزن حقيقي، والخوف مفهوم، والغضب على الجريمة حق. غير أن المسؤولية تبدأ من أن نوجّه غضبنا إلى الجريمة ومن ارتكبها، لا إلى بريء يشبه الضحية في دينه أو منطقته أو اسمه. العدالة أن يُحاسَب الجاني، لا أن يدفع أبرياء ثمنًا لم يختاروه. والتضامن ليس عبارة تُقال في لحظة، بل موقف يحمي كرامة المصابين وذوي الضحايا، ويرفض استغلال وجعهم، ويصون حق المجتمع في الحقيقة من دون أن يسبق التحقيق أو يربك مساره.
في الأردن، لم تكن المواطنة يومًا امتيازًا تمنحه جماعة لجماعة، ولا عقدًا مشروطًا بالتشابه. هي حق متساوٍ ومسؤولية مشتركة، ومعناها العملي أن يشعر كل أردني أن أمنه ليس شأنًا يخص أهله وحدهم، وأن الاعتداء عليه يمسّنا جميعًا. لا يكفي أن نقول إننا نعيش معًا؛ علينا أن نثبت، في مواقفنا اليومية، أننا لا نقبل أن يُختزل إنسان في دينه أو طائفته، ولا أن تُختصر جماعة كاملة في فعل مجرم.
ما يريد الإرهاب أن يكسره فينا هو قدرتنا على رؤية بعضنا بعضًا بوصفنا شركاء في هذا البلد. يريد أن يقنعنا بأن الخوف حكمة، وأن العزلة نجاة، وأن الشك أكثر أمانًا من الثقة. ومواجهته لا تكون بالقوة التي تحمي الناس وتفرض القانون فحسب، على ضرورتها، بل أيضًا برفض منطقه: ألا نسمح له بأن يحدد من نحب، ومن نخاف، ومن نعدّه واحدًا منا.
قد ينجح العنف في أن يملأ لحظة بالخوف، لكنه لا يملك أن يقرر شكل الغد. ذلك يتوقف علينا: على تمسكنا بالعدالة من دون انتقام، وبالحقيقة من دون شائعة، وبالمواطنة من دون استثناء. وما يجب أن نحميه ليس صورة مثالية عن وحدتنا، بل معناها الحقيقي: أن يبقى وجع الأردنيين واحدًا، وأن يظل هذا الوطن بيتًا لا يضيق بأحد من أبنائه.



