في الكرك بيت عزاء لا يسأل الداخل إليه عن دينه.
رائحة قهوة مرة تعلو، وخيط بخور يتسلل من مكان قريب، ورجل يمد يده إلى رجل. تختلف عبارة العزاء بين مسلم ومسيحي، ولا يختلف الكتف الذي يستند إليه المعزي.
للجرس صوت وللمئذنة صوت، والسماء التي تسمعهما واحدة.
يوم الجمعة كان أهل قرية حمود يودعون امرأة من أهلهم في كنيستها، حين أطلق مسلحون النار على المشيعين.
أعلنت الجهات الرسمية سبعة شهداء وعشرات المصابين، ووصفت الحكومة ما جرى بأنه جريمة إرهابية. والأرقام قابلة للتحديث، ومرجعها البيانات الرسمية وحدها.
وأعلن الحداد العام ثلاثة أيام. وقال الملك إن من توهم أن رصاص الغدر يشق صف الأردنيين خاب مسعاه، وإن دم الأردني غال.
ساعة الفاجعة تعلن الوحدة، وما بعدها يختبرها: ماذا يبقى حين تخفت الكاميرات؟
الرصاصة تقتل من تصيبه. وما بعدها هو الذي يقتل بلدا: الكلمة الطائفية، والشك الذي يطرق باب الجار.
وهذا ما يريده كل إرهاب: ألا يكتفي بمن يسقط، وأن يجعل كل جار يشير إلى جاره.
وكل إشاعة تنتشر في الساعات الأولى رصاصة ثانية، تطلق من هاتف لا من بندقية!
وقد طلبت الحكومة أن تستقى المعلومة من مصادرها الرسمية. وأعلن النائب العام حظر النشر في القضية صونا للتحقيق ولكرامة الضحايا، وأوضح أنه لا يشمل إدانة الجريمة ولا النقاش العام حولها.
ففي الحظر معنى إنساني قبل أن يكون قانونيا: وجوه الموتى ليست ملكا للهواتف، وأجساد الجرحى ليست مادة للمشاهدة.
سبعة بيوت ستعود إليها المقاعد ناقصة، وأسماء ستبقى في الهواتف بلا رد.
وفي «الطاعون» لكامو يقول الطبيب ريو إن الوسيلة الوحيدة لمحاربة الطاعون هي اللياقة الإنسانية العادية. ولا يرى فيها بطولة، يراها واجبا.
واللياقة اليوم أبسط مما نظن: أن تعزي جارك، وأن تصمت عن كلمة تجرح، وأن ترفض مشاركة صورة تفرق.
المواطنة هي الاسم الأول للضحايا، وتأتي الطائفة بعده. والمسيحي الأردني مواطن كامل الحق، لا ينتظر إذنا بالبقاء.
ويقول قائل: الأمن شأن الأجهزة، والجيران لا يوقفون مسلحا. وهذا صحيح، فالأجهزة تحرس الباب.
ويبقى أن الجار هو من يعرف من يقف عند الباب، ومن يخاف، ومن لم يعد يخرج.
ولأهل الكرك ما يفعلونه من غير قانون جديد: مائدة جيرة شهرية، يجلس إليها كاهن وإمام وشيخ عشيرة وممثلون عن الحي.
وعلى المائدة سؤال واحد: من يشعر بالخوف عندنا اليوم، وماذا نستطيع أن نفعل؟
وللدولة بطاقتها، وهي أول ما نطلبه منها بعد الإدانة.
بطاقة لكل مصاب وأسرة شهيد: اسم المسؤول عن متابعتهم، وموعد المتابعة، وحال العلاج الجسدي والنفسي.
فالمواساة تبدأ بالكلمة، ولا تكتمل قبل أن يجد المتألم من يتابعه بعد انفضاض المعزين.
وفي يوم الأربعين، الذي يعرفه أهل الكرك مسلمين ومسيحيين، تنشر الحكومة صفحة واحدة بلا أسماء: كم أسرة لها مسؤول باسمه، وكم مصابا تلقى متابعة نفسية، وما الذي بقي بلا رد.
صفحة قصيرة، لكن الوعد الذي له تاريخ يصدق!
وللتحقيق أن يعلن نتائجه حين تثبت، وللقضاء كلمته. وفي الأثناء نترك الأدلة لأهلها، ونرفض أن تصير الفاجعة سوقا للاتهام.
والأمن لا يحرسه الرجال المسلحون وحدهم. يحرسه جار يعرف اسم جاره، وباب يطرق قبل أن يطرق المتربصون.
بيت العزاء في الكرك ما زال مفتوحا. والقهوة المرة ما زالت تدور.
والجار ما زال قبل الدار!



