*
الثلاثاء: 20 أكتوبر 2026
  • 20 أكتوبر 2026
  • 10:18
نتنياهو والانتخابات الإسرائيلية عودة محتملة أم إعادة إنتاج للأزمة
الكاتب: سارة سويلم

ليست الانتخابات الإسرائيلية المقررة في السابع والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول مجرد منافسة على مقاعد الكنيست أو على هوية رئيس الحكومة المقبل؛ إنها اختبار سياسي لمجتمع أنهكته الحروب والانقسامات، ولقيادة تواجه أسئلة ثقيلة بشأن الأمن والمسؤولية والمستقبل. وفي قلب هذا الاختبار يقف بنيامين نتنياهو، السياسي الذي أتقن البقاء في السلطة، لكنه يدخل الاستحقاق وسط غضب داخلي وضغوط خارجية وتداعيات إقليمية لم تنتهِ.
حتى الآن، لا يمكن التعامل مع عودة نتنياهو باعتبارها أمراً محسوماً. فاستطلاعات الرأي المنشورة قبل الاقتراع ترسم مشهداً متقارباً، ولا تمنح أي معسكر ضمانة واضحة لتأمين أغلبية مستقرة من 61 مقعداً في الكنيست المؤلف من 120 عضواً. كما أن الفارق بين تصدر حزب أو معسكر في الاستطلاعات وبين القدرة على تشكيل حكومة يظل كبيراً؛ إذ تتوقف النتيجة السياسية النهائية على التحالفات، ومواقف الأحزاب الصغيرة، وإمكان التوصل إلى تفاهمات بعد إعلان النتائج.
لكن السؤال الأهم ليس فقط: هل يعود نتنياهو؟ بل: ماذا تعني عودته إن حدثت؟ وهل ستمنح إسرائيل فرصة لمراجعة خياراتها، أم ستكرّس النهج الذي جعل المواجهة مع الفلسطينيين مفتوحة على مزيد من العنف والدمار؟
انتخابات تحت ظلال الحرب والمساءلة
تأتي الانتخابات بعد سنوات مفصلية أعادت رسم المشهد الأمني والسياسي في المنطقة، منذ هجمات السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 وما أعقبها من حرب مدمرة على قطاع غزة واتساع المواجهات إلى جبهات أخرى. وفي الداخل الإسرائيلي، تتداخل ملفات الإخفاق الأمني، ومصير الأسرى، وإدارة الحرب، والخلافات حول الخدمة العسكرية لليهود المتدينين، ومستقبل العلاقة بين المؤسسة السياسية والقضاء، مع الحسابات الشخصية والحزبية لنتنياهو.
بالنسبة إلى رئيس الحكومة، لا يتعلق التصويت بتقييم السياسات وحدها؛ بل بمستقبله السياسي والقانوني أيضاً. وقد بنى نتنياهو جانباً من خطابه على تقديم نفسه بوصفه قائداً قادراً على إدارة الأخطار، فيما يرى خصومه أن طول بقائه في الحكم لا يعفيه من المسؤولية عن الإخفاقات، ولا يبرر استمرار الخيارات التي عمّقت عزلة إسرائيل وأزمتها الداخلية.
ومع ذلك، فإن اختزال الانتخابات في استفتاء على شخص نتنياهو قد يحجب حقيقة أعمق: قطاعات واسعة من السياسة الإسرائيلية تتفق على أولويات أمنية وعسكرية وعلى مواقف متشددة من قضايا جوهرية في الصراع مع الفلسطينيين، حتى إن اختلفت في الأسلوب أو في تقدير كلفة استمرار الحرب. لذلك، فإن خسارة نتنياهو، إن وقعت، لا تعني بالضرورة ولادة سياسة إسرائيلية جديدة تجاه فلسطين.
إذا عاد نتنياهو: ماذا سيتغير؟
إن عودة نتنياهو إلى رئاسة الحكومة ستُقرأ أولاً بوصفها تفويضاً سياسياً جديداً لمعسكر اليمين، أو على الأقل نجاحاً في إعادة تجميعه رغم التصدعات. وقد تمنحه النتيجة فرصة لمواصلة الاعتماد على أحزاب يمينية ودينية متشددة، وهو ما قد يضيّق هامش المناورة أمام أي تسوية سياسية، ويزيد من تأثير القوى الداعية إلى توسيع الاستيطان وفرض وقائع دائمة في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
في غزة، قد تعني العودة استمرار الصراع على شكل الحكم والترتيبات الأمنية ومستقبل إعادة الإعمار، مع خطر أن تتحول الهدن أو التفاهمات المؤقتة إلى محطات لإدارة الأزمة لا لإنهائها. فوقف إطلاق النار، إن لم يرتبط بضمانات فعلية لحماية المدنيين، وتدفق المساعدات، ورفع القيود عن الحياة اليومية، ومسار سياسي واضح، سيظل هشاً وقابلاً للانهيار عند أول اختبار.
أما في الضفة الغربية والقدس، فقد تتعزز مخاوف الفلسطينيين من تسارع الاستيطان، وتزايد عنف المستوطنين، وتوسيع القيود على الحركة، وتقويض فرص قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة. والخطر هنا لا يكمن في قرار واحد فحسب، بل في تراكم إجراءات تدريجية تصنع واقعاً يصعب تغييره لاحقاً، بينما يتراجع الاهتمام الدولي أو ينشغل بأزمات أخرى.
ولا تنفصل هذه الملفات عن الحسابات الإقليمية. فاستمرار حكومة يمينية متشددة قد يزيد التوتر مع أطراف عربية وإقليمية، ويعقّد جهود التهدئة في لبنان، ويضع العلاقات مع الحلفاء الغربيين أمام اختبارات جديدة، خصوصاً إذا اتسعت العمليات العسكرية أو تواصلت سياسات الاستيطان والتهجير. وفي المقابل، قد يسعى نتنياهو إلى توظيف التهديدات الإقليمية لتثبيت خطاب الأمن القومي، وإعادة تقديم نفسه بوصفه الخيار الأكثر خبرة في مواجهة الأخطار.
غير أن العودة لن تعني امتلاك حرية مطلقة. فالحكومة المقبلة ستواجه قيوداً اقتصادية واجتماعية، وانقساماً داخلياً، وضغوطاً من عائلات الأسرى والرأي العام، فضلاً عن حسابات الولايات المتحدة والدول الأوروبية والدول العربية. وقد تكون قدرة نتنياهو على المناورة مرتبطة بمدى تماسك ائتلافه، لا بمجرد فوزه أو نجاحه في البقاء.
وإذا غادر نتنياهو، هل يتغير المسار؟
قد تفتح خسارة نتنياهو الباب أمام حكومة أقل ارتباطاً بحلفائه الأكثر تشدداً، وأكثر استعداداً للاستجابة لبعض الضغوط الدولية أو لإعادة ترتيب العلاقة مع واشنطن والعواصم العربية. وقد يظهر اختلاف في إدارة الحرب، أو في الخطاب الدبلوماسي، أو في طريقة التعامل مع المساعدات وإعادة الإعمار. لكن هذه الاحتمالات لا ينبغي أن تتحول إلى توقعات مبالغ فيها.
فالمنافسة الإسرائيلية لا تدور بالضرورة بين مشروعين متناقضين بشأن الحقوق الفلسطينية. وقد أشارت تحليلات منشورة قبيل الانتخابات إلى أن قوى معارضة لنتنياهو لا تقدم، في ملفات أساسية مثل الاستيطان ومستقبل غزة، قطيعة مضمونة مع السياسات القائمة. لذلك فإن تغيير رئيس الحكومة قد يبدّل النبرة والأدوات، لكنه لا يكفي وحده لتغيير بنية الصراع أو إنهاء الاحتلال.
المعيار الحقيقي لأي تحول لن يكون اسم رئيس الحكومة، بل القرارات التي تتخذها حكومته: هل توقف الحرب وتحمي المدنيين؟ هل تسمح بدخول المساعدات بلا عوائق؟ هل تتراجع عن التوسع الاستيطاني؟ هل تعترف بحق الفلسطينيين في تقرير المصير ضمن مسار سياسي جاد؟ وهل تقبل آليات للمساءلة عن الانتهاكات؟ من دون إجابات عملية عن هذه الأسئلة، ستظل الوعود الانتخابية أقل أهمية من الوقائع على الأرض.
فلسطين خارج صندوق الاقتراع الإسرائيلي
المفارقة أن الفلسطينيين، وهم الأكثر تأثراً بنتائج الانتخابات الإسرائيلية، لا يملكون صوتاً في اختيار الحكومة التي تتحكم في جوانب واسعة من حياتهم اليومية. فمستقبل غزة والضفة والقدس لا ينبغي أن يُختزل في حسابات الناخب الإسرائيلي أو في صراع الأحزاب على السلطة. إن الحقوق الفلسطينية ليست ملفاً انتخابياً داخلياً، ولا يجوز أن تبقى رهينة تبدلات الائتلافات أو مزايدات السياسيين.
ومن هنا، فإن الرهان الفلسطيني والعربي والدولي لا ينبغي أن ينحصر في انتظار هزيمة نتنياهو أو فوزه. المطلوب بناء موقف يستند إلى القانون الدولي، ويربط أي ترتيبات أمنية بإنهاء الاحتلال وحماية المدنيين ووقف الاستيطان، ويضع إعادة إعمار غزة ضمن رؤية سياسية تمنع تكرار الدمار. كما يتطلب الأمر تحركاً دبلوماسياً متواصلاً، ومساءلة جدية عن الانتهاكات، وعدم السماح بتحويل المساعدات الإنسانية إلى أداة ضغط أو مساومة.
من يحكم إسرائيل ليس السؤال الوحيد
إن احتمال عودة نتنياهو يكشف عن أزمة تتجاوز شخصه: أزمة في تعريف الأمن، وفي حدود القوة العسكرية، وفي قدرة النظام السياسي الإسرائيلي على مراجعة مساره بعد الكلفة البشرية والسياسية الهائلة للحرب. فإذا عاد، فسيكون التحدي أمامه أكبر من تشكيل ائتلاف؛ إذ سيواجه سؤالاً لا تستطيع الحملات الانتخابية إسكاته: هل تستطيع القوة وحدها إنتاج أمن مستدام، فيما يبقى الفلسطينيون محرومين من الحرية والحقوق؟
أما إذا خسر، فلن يكون ذلك بحد ذاته انتصاراً للسلام، ما لم يتبعه تغيير ملموس في السياسات. فالتاريخ لا يُقاس بتبدل الوجوه في مكاتب الحكم، بل بما يتغير في حياة الناس، وبما إذا كانت الحروب تتوقف والحقوق تُصان والاحتلال يتراجع.
لهذا، تبدو الانتخابات الإسرائيلية محطة مهمة، لكنها ليست نهاية الطريق. عودة نتنياهو قد تعني استمرار النهج المتشدد وتعميق أزمات المنطقة، وخروجه قد يفتح نافذة محدودة للمراجعة، لا باباً مضموناً للتسوية. وفي الحالتين، ستبقى فلسطين الاختبار الأخلاقي والسياسي الأوضح: إما أن تتحول المواقف الدولية إلى ضغط فعلي يوقف دوامة العنف ويضع حداً للاحتلال، أو أن تستمر الانتخابات في تغيير الحكومات بينما يظل الفلسطينيون يدفعون ثمن السياسات نفسها
 

مواضيع قد تعجبك