الجدار الوحيد الذي يسمع كل شيء في هذا القسم مصنوع من قماش!
ستار رقيق يفصل بين سرير وسرير، ينزلق على سكة معدنية تصر كلما سحبته يد ممرضة، وتسبقه رائحة المطهر إلى كل زاوية.
ولا يغلق الستار إلى آخره. تبقى بينه وبين الحائط فجوة بعرض إبهام، يمر منها الضوء والكلام.
والستار في العربية من الستر، وللستر معنى أرحم من القماش: أن يصون المرء في ضعفه.
وأنت تقرأ على المستطيل المضيء، يمسك رجل هاتفه بيسراه، وإبهام يمناه ملفوف بالشاش.
تحت الشاش نبض صغير.
فشل التقطيب الأول في الطوارئ. والعملية بعد ساعات!
في قسم الحالات اليومية، يكفي صباح واحد كي تتغير أحجام الأشياء.
خلاف قديم يصغر. ومقال لم يكتمل يفقد استعجاله.
والعافية، حين تكون حاضرة، لا يسمع لها صوت. وحين يعجز إصبع عن حركة اعتدناها، نسمع غيابها في كل ستار.
ويد كانت تنجز شؤون صاحبها كلها، تصير هي نفسها موضع الانتظار.
وطموحات الصباح تتقلص: كتاب ومقال. وأكبرها الآن أن يمسك قلما بإبهام يمناه من جديد.
واسم القسم نفسه حيلة طيبة: «يومي» تعني أن تدخل صباحا وتخرج مساء، وأن تصدق أن ما بينهما قصير.
في هذا القسم كل شيء مؤقت: سرير مؤقت، وستار مؤقت، وخوف يدعي أنه مؤقت أيضا.
الوجوه تحتجب خلف القماش، والأصوات لا تحتجب.
تمر ممرضة، فيهتز كل ستار قليلا، ثم يعود القماش إلى سكونه. وفي القاعة صمت مليء بالأنفاس: شهيق يطول، وزفير يتأخر.
ويمر الوقت ببطء ثم يقفز: دقيقة تطول كساعة، وساعة تمر كدقيقة.
ويتبدل من حوله القاعدون: يخرج مريض، ويدخل آخر، ويبقى الستار.
خلف ستار قريب امرأة تنتظر القسطرة. وخلف آخر رجل ينتظر غسيل الكلى.
لا يعرف الرجل عنهما أكثر مما كشفه القماش. ولهما بقية لا يراها ستار: بيت ينتظر، وأسماء في هاتف.
وقميص المستشفى بلا جيوب. وأول ما يفتقده الإنسان فيه مفتاح بيته!
والإبهام إصبع واحد من خمسة. وحده يقابل بقية الأصابع، وبه تصير الأربعة يدا بعد أن كانت مشطا.
وفي العربية يلتقي الإصبع والغموض في كلمة واحدة: الإبهام.
عمل سنين بلا شكر ولا إجازة، ولم ينتبه إليه صاحبه إلا يوم توقف!
وفي أوراق رسمية يوقع من لا يكتب ببصمة إبهامه.
وفي «موت إيفان إيليتش» يتعثر قاض على سلم صغير وهو يري المنجد كيف تعلق ستائر بيته الجديد. يصطدم جنبه بإطار النافذة، ويضحك مساء وهو يحكي كيف طار.
علق ستارته بيده، وظل طول عمره خلف أخرى!
ويقال إن هذه إجراءات يومية، يعود أصحابها إلى بيوتهم قبل المساء. وهذا صحيح.
وكلمة «يومي» تصف الإجراء. أما ما يحدث داخل الإنسان وهو ينتظر فيبقى بلا وصف.
والوكالة تصح في كل شيء إلا في الانتظار وفي الموت.
يوكل الإنسان طبيبا وكاتب عرائض، فإذا حان انتظاره أو موته لم يجد من ينوب عنه.
ولن يسأله أحد في القاعة عن مقاله الذي لم يكتمل.
سؤال واحد يعبر القماش من ستار إلى ستار: متى دوري؟!
ينادي صوت في الممر اسما، فترتفع الرؤوس خلف الستائر. للحظة يظن كل سرير أن النداء له.
ثم تهبط الرؤوس.
والفجوة التي بعرض إبهام لا يمر منها إلا إبهام.
فإن ارتجف ستار قريب، مد الرجل إبهامه الملفوف في الفجوة وتركه في الضوء، ليعرف جاره أن في القاعة جرحا آخر يصغي.
فيرى الجدار الذي يسمع كل شيء ما لم يسمعه قط: جرحا يصافح جرحا!
[email protected]
https://emad-dawoud.netlify.app/



