*
الثلاثاء: 20 أكتوبر 2026
  • 20 أكتوبر 2026
  • 11:00
الوزير الذي يضيق بالنقد هل يدرك معنى المسؤولية
الكاتب: الدكتور زيد احمد المحيسن

يُقال إنّ السياسي الذي لا تحتمل أعصابه نقد الرأي العام، عليه أن يغادر موقعه ويبحث عن مهنة أخرى؛ وهي مقولة تختصر جوهر المسؤولية السياسية، وتضع كل وزير أمام حقيقة لا يجوز له تجاهلها: المنصب العام ليس امتيازًا يحمي صاحبه من المساءلة، بل مسؤولية تفرض عليه أن يسمع ما لا يحب سماعه، وأن يتقبل من الملاحظات ما قد لا ينسجم مع قناعاته. فالوزير الذي يتولى إدارة شؤون الناس لا يملك حق اختيار الأصوات التي يسمعها، ولا يحق له أن ينتظر من المواطنين التصفيق لقراراته، بينما يطالبهم بالصمت حين يرون فيها خللًا أو تقصيرًا. إنّ النقد ليس انتقاصًا من هيبة المسؤول، بل امتحان حقيقي لقدرته على إدارة الاختلاف، والتمييز بين كرامة المنصب وكبرياء الشخص. والوزير الواثق من أدائه لا يستفزه سؤال، ولا تربكه ملاحظة، ولا يتعامل مع الرأي المخالف باعتباره خصومة شخصية؛ بل يواجه الحجة بالحجة، ويقدم الأرقام والوقائع، ويعترف بالخطأ حين يثبت وقوعه، لأن الاعتراف بالخطأ فضيلة سياسية، لا هزيمة شخصية. أما أن يتحول النقد إلى مناسبة للغضب والانفعال، وأن تصبح الملاحظات عبئًا على المسؤول بدل أن تكون فرصة لتصحيح المسار، فذلك يكشف خللًا في فهم طبيعة المنصب وحدود السلطة. فالمواطن الذي ينتقد أداء وزير لا ينازعه كرسيه، بل يمارس حقه في مراقبة من يتولى إدارة شأنه العام، والصحفي الذي يطرح سؤالًا صعبًا لا يستهدف بالضرورة شخص الوزير، بل يؤدي دورًا أصيلًا في مساءلة السلطة. وليس مطلوبًا من الوزير أن يرضي الجميع، فذلك مستحيل، لكن المطلوب منه أن يحترم حق الجميع في السؤال والاعتراض، وأن يدرك أن المسؤولية لا تُقاس بحدة الردود، بل بجودة القرارات ونتائجها. وفي الحياة السياسية، لا تُصنع الهيبة برفع نبرة الصوت، ولا تُحمى المكانة بمحاصرة الانتقادات، وإنما تُكتسب بالكفاءة والنزاهة والقدرة على مواجهة الحقيقة دون مراوغة. إنّ أخطر ما يمكن أن يصيب المسؤول هو أن يحيط نفسه بمن يقولون له ما يحب سماعه، وأن يفسر صمت الآخرين على أنه رضا، واعتراضهم على أنه عداء؛ فحينها يبدأ الانفصال عن الواقع، وتتسع المسافة بين المكتب الوزاري والشارع الذي يفترض أن تكون همومه حاضرة في كل قرار. فالوزارة ليست مكافأة شخصية، والرأي العام ليس جمهورًا في قاعة تصفيق، والنقد ليس امتيازًا يمنحه الوزير للمواطنين متى شاء ويسحبه متى غضب. ومن لا يتسع صدره لسماع الناس، فالأجدر به أن يراجع أهليته للمسؤولية؛ لأن من يقبل المنصب عليه أن يقبل تبعاته، ومن يعجز عن احتمال النقد لا يجوز له أن يطالب الآخرين باحتمال أخطائه ..

مواضيع قد تعجبك