حين يثير تضرر مبنى أثري في مدينة ليموج الفرنسية اهتماما إعلاميا ومشاعر الحزن والاستنكار فإن ذلك أمر مفهوم ومشروع فكل معلم تاريخي يحمل ذاكرة المكان وحكايات الأجيال التي مرت به
لكن المفارقة التي تستحق التوقف عندها ليست في الاهتمام بليموج بل في التفاوت في التغطية الإعلامية بين ما يصيب التراث الأوروبي وما تتعرض له المعالم التاريخية والقرى العريقة في غزة وجنوب لبنان من تدمير ومحو
لماذا تتحول الأضرار التي تصيب مبنى أوروبيا إلى قصة تتصدر العناوين وتستقطب الصور والتقارير والتحليلات بينما يمر تدمير معالم تاريخية وأحياء كاملة في غزة ولبنان أحيانا ضمن أخبار الحرب اليومية وكأنه تفصيل عابر في مشهد الدمار
في الحالة الأولى قد يحتل المبنى المتضرر مساحة واسعة من التغطية بوصفه خسارة ثقافية وإنسانية تستحق الحماية والاستعادة أما في الحالة الثانية فقد تطغى صور الضحايا والعمليات العسكرية والتطورات السياسية على قصة المكان نفسه فلا تحظى ذاكرته المعمارية والتاريخية بالاهتمام الذي تستحقه
في غزة تعرضت معالم بارزة من بينها المسجد العمري الكبير وقصر الباشا التاريخي لأضرار جسيمة إلى جانب مبان ومواقع تراثية أخرى تختزن شواهد على تاريخ فلسطين وتعاقب الحضارات عليها وفي جنوب لبنان تهدد الأضرار التي لحقت بالقرى والمباني التقليدية والمواقع التاريخية والدينية ذاكرة مجتمعات تشكلت هويتها عبر أجيال
ومع ذلك لا تحظى هذه الخسائر دائما بالمساحة الإعلامية نفسها التي تحظى بها قضايا التراث في أوروبا وهنا يبرز السؤال عن دور الجغرافيا والقرب الثقافي والاهتمامات السياسية في تحديد ما يستحق أن يتحول إلى قضية رأي عام عالمي وما يبقى هامشا في تغطية الحروب
لا يعني ذلك أن كل وسائل الإعلام الأوروبية تتجاهل ما يجري في غزة ولبنان أو أن كل تغطية لمعلم أوروبي تنطوي على انحياز فهناك مؤسسات وصحفيون يوثقون الدمار في المنطقة لكن القضية تتعلق بالتفاوت في حجم الاهتمام واستمراريته وبقدرة بعض القصص على جذب التعاطف العالمي أكثر من غيرها
فإذا كان تضرر مبنى في ليموج يستحق التوثيق والتحليل والمطالبة بالحماية فإن تدمير معالم غزة وقرى جنوب لبنان يستحق المعايير الإعلامية والإنسانية نفسها لا أن يذوب في زحام الأخبار العسكرية والسياسية
فالتراث ليس حجارة يمكن تعويضها بالإسمنت إنه ذاكرة حية تسكن البيوت القديمة والأسواق والأزقة ودور العبادة وترتبط بحياة الناس وهويتهم وحين تمحى قرية أو يتضرر حي تاريخي لا نخسر المباني وحدها بل نخسر جانبا من تاريخ المجتمع الذي صنعها وعاش فيها
إن مسؤولية الإعلام لا تقتصر على نقل مشاهد الدمار بل تشمل توثيق ما يختفي من ذاكرة الشعوب وإبقاء هذه الخسائر حاضرة في الوعي العام ومساءلة الجهات المسؤولة عنها وفق الوقائع والأدلة
من ليموج إلى غزة ولبنان ينبغي ألا تتغير قيمة التراث بتغير موقعه على الخريطة أو هوية أصحابه وألا تتحدد مساحة التعاطف بحسابات السياسة أو جاذبية الصورة الإعلامية
إن أخطر أشكال التهميش أن يتحول تدمير ذاكرة عربية إلى خبر عابر بينما يصبح تضرر حجر أوروبي قضية عالمية فالتراث الإنساني لا يتجزأ وما يستحق التغطية والحماية في ليموج يستحقهما في غزة وجنوب لبنان أيضا



