عدن اسم طالما ارتبط شعبيا بفكرة الفردوس، حتى صار الربط نفسه اليوم أقسى نكتة تعرفها الجغرافيا العربية.
فبينما تُكتب هذه السطور، استكملت جماعة الحوثي سيطرتها على باب المندب بأكمله، بحسب مسؤولين يمنيين ومصادر رسمية. سقطت المخا، ثم زُقر، ثم حنيش الكبرى والصغرى، وأخيرا جزيرة ميون نفسها، حجر الزاوية في قلب المضيق الذي لا يتجاوز عرضه في أضيق نقاطه ثمانية عشر ميلا. من يمسك بميون يمسك بخناق أحد أهم شرايين التجارة العالمية، ولا يحتاج إلى إغلاقه فعليا حتى يبدأ العالم بدفع الثمن؛ يكفي أن تتردد سفينة، أو ترفع شركة تأمين قسطها.
والأغرب أن هذا التقدم لم يأت عبر معارك كبرى فحسب. أعلنت السلطات تشكيل لجنة تحقيق في انسحاب مفاجئ لأكثر من ثلاثين ألف مقاتل من القوات المشتركة من مواقعها في المخا وحيس والخوخة. ثلاثون ألف مقاتل ينسحبون، فتُفتح الطريق أمام خصمهم. هنا لا يعود السؤال عسكريا وحده: من أصدر القرار، ولمصلحة من؟
الثمن الفوري كان اقتصاديا. تجاوز خام برنت 104 دولارات للبرميل، أعلى مستوياته منذ أشهر. ونقلت رويترز عن مصدرين إيرانيين أن طهران طلبت من الحوثيين تصعيد هجماتهم على السعودية مقابل مزيد من التمويل والسلاح. والمفارقة أن الحليف الأمريكي نفسه أكثر حذرا: كشف موقع أكسيوس أن ولي العهد السعودي اتصل مرتين بالرئيس الأمريكي يطالبه بضربات مباشرة ضد الحوثيين، فرفض، مكتفيا بإيفاد قائد القيادة المركزية الأمريكية إلى الرياض للتنسيق. حتى أقرب الحلفاء لا يريد حربا مفتوحة على هذا الممر.
هذا التطور البحري لم يحدث في فراغ. فمنذ الثالث من أيلول، تشهد اليمن أعنف قتال منذ انهيار هدنة 2022، بسقوط أكثر من خمسمئة قتيل، معظمهم مقاتلون. واستهدف الحوثيون قاعدة عسكرية سعودية في نجران بصواريخ باليستية، بينما أصاب مقذوف سابق مبان في جازان، منها مسجد. وحده الأسبوع الماضي شهد سقوط طفلين وإصابة خمسة عشر آخرين، ثمانية منهم أطفال، بقصف طال مخيما للنازحين شمال مأرب. وتجاوز عدد النازحين داخل اليمن منذ تموز ستة وسبعين ألف شخص. والأزمة عبرت الحدود فعليا: أعلنت جيبوتي وصول أكثر من ألفي نازح عبر باب المندب خلال أيام، في أول موجة لجوء بحري يمنية إلى القرن الأفريقي منذ سنوات.
وفي الجنوب، جنون من طبيعة أخرى. عدن نفسها، العاصمة المؤقتة المفترضة، تحولت إلى مدينة يحتاج المرء تصريحا أمنيا ليدخلها. اتهمت الرئاسة اليمنية تشكيلات تابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي بفرض قيود غير قانونية على حركة القادمين إليها. جاء ذلك بعد أشهر فقط من هجوم واسع للمجلس الانتقالي وسّع سيطرته، فهجوم مضاد سعودي الدعم استعاد الأرض، وزُعم أن رئيس المجلس فرّ ليلا بقارب إلى أرض الصومال، قبل أن يعلن المجلس حلّ نفسه بالكامل. مجلس يُعلن حلّ نفسه، ثم يعود بعد أشهر ليحاصر عاصمته من جديد.
خلف كل هذه السياسة، أرقام تُخرس أي تحليل. يحتاج أكثر من 22.3 مليون يمني إلى مساعدات إنسانية، ويعاني 18.3 مليون انعداما حادا في الأمن الغذائي، وتجاوز عدد الوفيات المرتبطة بالنزاع منذ 2015 مبلغ 377 ألف حالة، ستون بالمئة منها بسبب الجوع والمرض لا القتال المباشر. ويعاني 2.2 مليون طفل دون الخامسة سوء تغذية حادا.
والعرب الذين يراقبون من بعيد ليسوا بمنأى كما يظنون. فباب المندب هو الممر الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن وصولا إلى السويس وأوروبا. والأردن، الذي لا نافذة بحرية له سوى ميناء العقبة على الطرف الشمالي لهذا البحر نفسه، يمر عبره نحو ثمانين بالمئة من صادراته وخمسة وستين بالمئة من وارداته الحيوية. سبق أن اعترض صواريخ كانت متجهة نحو العقبة نفسها، وأدان رسميا استهداف الحوثيين مدنيين ومنشآت اقتصادية في جنوب السعودية. فمن يظن أن ما يجري عند ميون شأن يمني بحت، عليه أن يسأل فاتورة الوقود في عمّان.
وهنا يستحق التاريخ أن يُستحضر. ففي 22 أيار 1990 أُعلنت الوحدة اليمنية الكاملة. لكنها انزلقت نحو الاغتيالات، وتوصلت لجنة الحوار الوطني في 18 كانون الثاني 1994 إلى تسوية أولية أُعلنت عبر إذاعة عدن، لم تصمد طويلا. فتدخل المرحوم الملك حسين بن طلال بوساطة حميدة، واستضاف في العشرين من شباط 1994 التوقيع الرسمي على "وثيقة العهد والاتفاق" في قصر رغدان بعمّان. لكن الوثيقة لم تصمد هي الأخرى، واندلعت الحرب الأهلية بعد أشهر، لتدخل قوات صنعاء عدن في السابع من تموز من العام نفسه.
عمّان احتضنت يوما محاولة عربية جادة لإنقاذ الوحدة اليمنية. اليوم، لا محاولة إنقاذ واضحة المعالم تُدار من عاصمة عربية. القرار في عدن وباب المندب يُدار من حسابات الرياض وأبوظبي وطهران وواشنطن، لا من غرفة يمنية خالصة، ولا من أي جهد عربي جامع على طريقة عمّان القديمة.
لم تعد عدن جنة، ولن تعود قريبا. وباب المندب صار نصفه بيد جماعة مسلحة واحدة، تملك اليوم قدرة فعلية على مقايضة العالم بأمن أحد أهم ممراته المائية. وكل هذا يحدث بينما ثلاثون ألف مقاتل انسحبوا بلا تفسير مقنع بعد، وبينما طفل في مأرب يُقتل قبل أن يُسمع اسمه في أي نشرة أخبار.
الاسم، حين يُستخدم ليصف واقعا معاكسا تماما لما يوحي به، يتحول إلى أقسى أنواع السخرية اللغوية. وعدن اليوم هي المرآة التي يرى فيها كل عربي، إن نظر بصدق، المسافة الحقيقية بين الأسماء التي نطلقها على مدننا، وبين ما تفرضه الجغرافيا والسياسة عليها رغما عن كل الأسماء. والسؤال الذي لا يملك أحد إجابته بعد: كم من هذه المسافة سيُترك ليُقاس بالصواريخ لا بالوثائق؟



