*
الاحد: 13 أيلول 2026
  • 13 أيلول 2026
  • 21:23
حق المعلمين في التمثيل وقوة الدولة بالقانون
الكاتب: شيرين قسوس

نقابة المعلمين لم تُنشأ لتكون جهة تابعة لوزارة التربية، كما أنها ليست مؤسسة فوق القانون. فإذا ارتكب أحد أعضائها مخالفة، يتحمل مسؤوليتها وفق القانون، وإذا أخطأ مجلسها، يخضع للمساءلة، وإذا نشأ نزاع حول مشروعية أي قرار، يبقى القضاء هو المرجع.

المشكلة تبدأ عندما لا يعود النقاش متعلقاً بمخالفة محددة، بل يمتد أثره إلى المؤسسة النقابية نفسها. وعندها يصبح معيار التناسب مهماً؛ فمحاسبة من تثبت مسؤوليته لا تستلزم بالضرورة إضعاف مؤسسة تمثل قطاعاً مهنياً واسعاً.

المطالبة بحقوق المعلمين، بما فيها العلاوة التي كانت محور الخلاف، ليست مخالفة في حد ذاتها. والاحتجاج النقابي لا يصبح مخالفاً للقانون لمجرد ممارسته، وإنما تخضع وسائله وحدوده للقواعد القانونية النافذة. وفي المقابل، لا تمنح الصفة النقابية حصانة من المساءلة إذا ثبت وقوع مخالفة.

هذه المعادلة ينبغي أن تحكم العلاقة بين الطرفين.

فالنقابة ليست مطالبة بأن توافق الحكومة في كل موقف، ولا الحكومة مطالبة بقبول كل ما تطرحه النقابة. المطلوب أن يبقى الخلاف داخل المؤسسات والقواعد القانونية، وأن تكون المسؤولية محددة بمن ارتكب الفعل محل المساءلة، وألا تمتد آثار الخلاف إلى تعطيل حق المعلمين في التمثيل المهني.

والنقابة الفاعلة هي التي تستطيع التفاوض والضغط والاحتجاج، وتعرف في الوقت نفسه حدود صلاحياتها ومسؤولياتها. وإذا وقع تجاوز للقانون، تجب معالجته وفق الإجراءات القانونية وبما يتناسب مع الفعل والمسؤولية عنه، من دون الخلط بين مساءلة الأشخاص وحماية الحق في التنظيم والتمثيل المهني.

كما أن الحكومة ليست مطالبة بأن تتعامل مع النقابة باعتبارها جهة معارضة سياسية. فالنقابة جسم مهني له وظيفة محددة، ويمكن أن تختلف مع السلطة التنفيذية في الأجور والحقوق والقرارات التي تمس منتسبيها، من دون أن يتحول ذلك إلى نزاع على شرعية الدولة.

ومن هنا تأتي أهمية حكم المحكمة الدستورية الصادر في عام 2025 بعدم دستورية قانون نقابة المعلمين الأردنيين رقم 14 لسنة 2011 وتعديلاته برمته، واعتباره باطلاً من تاريخ صدور الحكم. فهذا الحكم غيّر الإطار القانوني الذي كانت تستند إليه النقابة، ويجعل أي حديث عن مستقبلها مرتبطاً بضرورة وجود أساس تشريعي دستوري واضح.

ولا يعني الحكم الدستوري، بذاته، أن جميع مواقف قيادة النقابة السابقة كانت صحيحة، كما لا يصح استخدامه للحكم مسبقاً على صحة أو بطلان كل إجراء أو حكم صدر في مراحل سابقة. لكل قضية نطاقها القانوني وأحكامها وإجراءاتها.

لكن الحكم يفرض إعادة النظر في العلاقة بين الدولة والمؤسسات المهنية، وفي الكيفية التي يمكن من خلالها ضمان حق المعلمين في التمثيل، مع وجود قواعد واضحة للمساءلة والرقابة.

في دولة القانون، يمكن محاسبة النقابي من دون إلغاء العمل النقابي، ويمكن للحكومة أن ترفض مطالب النقابة من دون اعتبارها خصماً، ويمكن للنقابة أن تعترض من دون أن تتحول إلى سلطة موازية.

الدولة لا تحتاج إلى نقابة مطيعة حتى تثبت قوتها، والنقابة لا تحتاج إلى تجاوز القانون حتى تثبت استقلالها. قوة الدولة في تطبيق القانون على الجميع، وقوة النقابة في تمثيل منتسبيها ضمن القانون.

أما إذا أصبح الخلاف المهني سبباً لإضعاف التمثيل النقابي، فإن المسألة تتجاوز الأشخاص الذين كانوا في مجلس النقابة آنذاك، وتمس طبيعة العلاقة بين الدولة والمؤسسات المهنية.

الأردن يحتاج إلى تمثيل مهني فاعل للمعلمين، وإلى إطار قانوني واضح يضمن هذا التمثيل ويحفظ في الوقت نفسه مقتضيات الدستور وسيادة القانون. وهذا لا يتحقق بإعادة إنتاج الخلاف السابق، بل بوضع إطار تشريعي سليم يحدد صلاحيات المؤسسة النقابية وواجباتها، ويضمن استقلالها المهني، ويضع آليات واضحة للمساءلة.

ومن هنا، فإن المطلوب اليوم ليس مجرد إعادة فتح مؤسسة استند وجودها إلى قانون قضت المحكمة الدستورية بعدم دستوريته، وإنما إعادة بناء الإطار القانوني الذي يكفل للمعلمين حقهم في التمثيل النقابي، من خلال تشريع جديد ومتوافق مع الدستور، يضمن استقلال النقابة ويمنع في الوقت نفسه تكرار مواطن الخلل التي قادت إلى الأزمة السابقة.

إعادة تنظيم العمل النقابي للمعلمين ليست انتصاراً لطرف على آخر، بل استكمال لمبدأ أساسي في دولة القانون: أن يكون للمعلمين صوت مهني يمثلهم، وأن تعمل هذه المؤسسة ضمن قانون واضح ودستوري، وأن تكون المساءلة على الأفعال المخالفة لا على مجرد ممارسة الحق في الاختلاف.

المطلوب في النهاية ليس نقابة بلا ضوابط، ولا سلطة بلا رقابة؛ بل نقابة قوية بالقانون، ودولة قوية بالقانون.

مواضيع قد تعجبك