على مدار سنوات طويلة، وفي عهد الرئيس اليمني الراحل علي عبدالله صالح، كانت اليمن رغم فقرها ومشكلاتها الداخلية دولة تحافظ إلى حد كبير على علاقاتها مع محيطها العربي، ولم تكن الصواريخ والمسيّرات اليمنية تشكل هاجساً يومياً لدول الجوار.
وبحلول العام 2011، ومع موجة ما سُمّي بـ " الربيع العربي" ذلك الزلزال السياسي الذي هدم أنظمة أسرع مما بنى دولاً، خرج اليمنيون في احتجاجات شعبية واسعة مطالبين بالتغيير، وسط ظروف اقتصادية وسياسية صعبة.
خلال تلك المرحلة، شاهدنا اهتماماً عربياً وإقليمياً كبيراً بما يجري في اليمن، وتصريحات ومواقف سياسية متلاحقة تدعو إلى التغيير وانتقال السلطة، كما تدخل مجلس التعاون الخليجي بمبادرة سياسية لإنهاء الأزمة ونقل السلطة.
وبالفعل، لم يكن ما حدث مجرد «سقوط للنظام» بالمعنى المباشر، بل انتهت الأزمة السياسية في تلك المرحلة إلى انتقال للسلطة، عندما وقّع علي عبدالله صالح في تشرين الثاني 2011 المبادرة الخليجية ونقل صلاحياته إلى نائبه عبدربه منصور هادي.
لقد كان الأمل أن تكون الخطوة بداية ليمن أكثر استقراراً وازدهاراً وديمقراطية،لكن السؤال اليوم، بعد كل هذه السنوات، هو إلى أين وصل اليمن؟.
فاليمن الذي كان المطلوب تغييره نحو الأفضل، دخل لاحقاً في واحدة من أعقد الحروب في المنطقة، وتحولت أرضه إلى ساحة للصراعات الإقليمية والدولية، وأصبح ( الحوثي ) يمتلك صواريخ ومسيّرات قادرة على الوصول إلى دول الجوار وتهديد مصالح إقليمية.
وهنا لا بد من طرح سؤال بعيداً عن العاطفة وعن تأييد أي طرف يمني،هل كانت هذه هي النتيجة التي أرادها من دفع باتجاه تغيير المشهد اليمني عام 2011؟
والأهم من ذلك كله، كم أنفقت المنطقة منذ ذلك الوقت على الحرب والسلاح والصواريخ والطائرات والعمليات العسكرية؟
ولنا ان نتخيًل لو أن جزءًا من هذه الأموال صُرف منذ البداية على المواطن اليمني نفسه، على المستشفيات والمدارس والجامعات والطرق والمياه والكهرباء وفرص العمل والمشاريع الاقتصادية.
لو استُثمرت تلك المليارات في الإنسان اليمني بدل أن تُستهلك في حرب دفع اليمنيون ثمنها من دمائهم ومستقبل أبنائهم، فربما كان اليمن اليوم أكثر استقراراً، وربما كان ارتباط اليمن قيادة وشعباً بمحيطه العربي أقوى بكثير من أي تحالف يمكن أن تصنعه الصواريخ.
فالإنسان الذي تبني له مستشفى ومدرسة ومصنعاً وتوفر له فرصة عمل، تستطيع أن تبني معه علاقة تستمر أجيالاً، أما الإنسان الذي لا يرى حوله إلا الحرب والفقر والدمار، فلا يمكن ضمان إلى أين ستأخذه التحالفات غداً.
المفارقة أن الدول التي كانت تخشى في الأمس من عدم استقرار اليمن، وجدت نفسها بعد سنوات أمام واقع أكثر تعقيداً وخطورة.
وهنا يجب ألا يكون السؤال فقط، من المسؤول عما حدث في اليمن؟ بل هناك سؤال أكبر يجب أن يُطرح بكل جرأة، مفاده من يخطط لهذه الدول؟
ومن يدرس النتائج قبل اتخاذ القرارات؟ومن يضع سيناريو السنوات العشر والعشرين القادمة قبل الدخول في اي مشروع سياسي أو عسكري؟وهل تُبنى السياسات على ردود الأفعال الآنية، أم على رؤية استراتيجية تعرف ماذا سيحدث في اليوم التالي، وبعد عشر سنوات من ذلك اليوم؟،
ان السياسة الناجحة لا تُقاس فقط بقدرتها على تغيير واقع قائم، بل بقدرتها على معرفة ما الذي سيأتي بعده، واليمن ربما يكون واحداً من أقسى الدروس العربية في ذلك.



