يمثل البحث في تطوير النظام الإداري والسياسي في المملكة الأردنية الهاشمية أولوية استراتيجية لتعزيز المشاركة الشعبية وتوزيع مكتسبات التنمية بعدالة. وفي هذا السياق يبرز مقترح تأسيس برلمان مستقل لكل محافظة كخطوة متقدمة نحو تعميق مفهوم اللامركزية الذي بدأ الأردن في تطبيقه من خلال مجالس المحافظات. إن فكرة الانتقال من مجالس استشارية أو خدمية إلى برلمانات محلية تتمتع باستقلالية تشريعية ورقابية محددة في نطاق المحافظة تهدف إلى نقل مركز الثقل السياسي من العاصمة إلى الأطراف مما يعزز من قدرة المجتمعات المحلية على تحديد أولوياتها التنموية بعيدا عن البيروقراطية المركزية التي غالبا ما تعيق سرعة الإنجاز وتحد من كفاءة توزيع الموارد.
تعتمد آلية عمل برلمان المحافظة المستقل على مبدأ الفصل بين السلطات المحلية حيث يتشكل البرلمان من أعضاء منتخبين مباشرة من قبل مواطني المحافظة وفق نظام انتخابي يراعي التمثيل العادل لكافة ألوية المحافظة وقراها. ويقوم هذا البرلمان بمهام تشريعية تتعلق بإصدار الأنظمة واللوائح الداخلية التي تنظم شؤون المحافظة الاقتصادية والبيئية والاجتماعية ضمن إطار الدستور وقوانين الدولة العامة. كما يمتلك هذا البرلمان صلاحية مراقبة أداء الجهاز التنفيذي في المحافظة المتمثل في المحافظ ومديري الدوائر الخدمية حيث يمكنه مساءلة هؤلاء المسؤولين عن أداء مهامهم وإقرار الموازنات السنوية الخاصة بالمحافظة والمصادقة على خطط التنمية المحلية. إن هذا التوجه يحول البرلمان المحلي من مجرد جهة تبحث عن التمويل إلى جهة تملك قرار الإنفاق وتحديد المشاريع ذات الأولوية مثل إنشاء المستشفيات والمراكز الثقافية وتطوير البنية التحتية وتنشيط القطاع السياحي والزراعي بناء على احتياجات واقعية ملموسة.
أما فيما يخص مخصصات هذه البرلمانات فهي تتطلب ميزانية مستقلة تقتطع من الخزينة العامة للدولة وتعتمد على حصيلة الضرائب والرسوم المحلية التي يتم تحصيلها داخل المحافظة بما يحفز هذه البرلمانات على البحث عن استثمارات ومشاريع مدرة للدخل لزيادة الإيرادات الذاتية. إن تخصيص ميزانية مستقلة ليس مجرد إجراء مالي بل هو تعبير عن الاستقلال الإداري الذي يمنح أعضاء البرلمان المرونة اللازمة للتعاقد مع الشركات المحلية وتنشيط السوق الداخلي للمحافظة مما يقلل من ظاهرة الهجرة نحو العاصمة بحثا عن فرص العمل. يتطلب ذلك وضع نظام مالي صارم يخضع لرقابة ديوان المحاسبة وهيئة النزاهة ومكافحة الفساد لضمان أن هذه الأموال تستثمر في مشاريع تخدم الصالح العام بعيدا عن المحسوبية أو التنفيع الشخصي.
ختاما فإن تأسيس برلمان مستقل لكل محافظة في الأردن يمثل رؤية طموحة لمستقبل الإدارة المحلية وتحديث الدولة في مئويتها الثانية, إن النجاح في هذا المسعى يتطلب تدرجا مدروسا يبدأ بمنح صلاحيات أوسع للمجالس الحالية مع الرقابة والتقييم الدوري ثم الانتقال نحو منح استقلالية أكبر وفق معايير الحوكمة الرشيدة. إن الهدف النهائي ليس تفكيك الدولة المركزية بل تقويتها عبر تعزيز أطرافها وتفعيل دور المواطن كشريك أساسي في صناعة القرار التنموي داخل محافظته.



