خبرني - أطفأت اليوم شمعة الخمسين.
وقبل أن أهمس بأمنيتي، شعرت أن أحدا يقف خلف كتفي، ينتظر دوره.
التفت. كان هناك. جرحي القديم، ذاك الذي كبر معي وعاش معي في البيت نفسه، ولم تقدم له الحياة قطعة كيك واحدة.
ظننت خمسين عاما أنني جئت إلى الدنيا وحيدا. اليوم فقط فهمت أن أمي حملت اثنين. خرج أحدهما بالصراخ، وخرج الآخر بالصمت، ثم جلس في زاوية الغرفة وانتظر!
منذ ذلك اليوم وهو يريني المشهد نفسه: بيت قديم، وباب مفتوح، وكرسي فارغ، وأمي تنادي اسما لم يدخل، ثم تطفئ الضوء.
أكثر من ثمانية عشر ألف ليلة، والمشهد لا يتبدل. أنا وحدي من يكبر أمامه.
في الصباح وصلتني التهاني. كتب الأصدقاء عن العمر والصحة والأمل، وأرسل لي الحاسوب بطاقة آلية تعرف تاريخ ميلادي ولا تعرف شيئا عن ميلاد توأمي.
الناس يحتفلون بالولادة لأنها وعد. أما توأمي هذا فمولده صمت طويل، ولذلك لا تكتب له بطاقة، ولا يمر به مهنئ.
خمسون شمعة أضاءتها أيد كثيرة وأطفأتها أنفاس كثيرة، ولم تصل واحدة منها إلى الزاوية التي جلس فيها!
الشمعة تنير ما حولها، وهو عاش دائما خارج الدائرة.
كبر هناك، وأنا أبتسم في الصور.
في كل صورة كنت أنا أبتسم، وكان هو خارج الإطار، يقف حيث تقف الكاميرا فلا يراه أحد.
ثم بدأ يسألني بصوت لا يسمعه غيري: كيف يعيش رجل في وطن يحبه، وهو يعرف أن الوطن قد لا يعرف أنه يحبه؟
لم أجد جوابا. فالبلد قد يجهل حبي. أما هو، فلم يشك فيه يوما.
خفت منه طويلا. خشيت أن يتكلم أمام الناس، فيقول ما لا يليق برجل يكتب في السياسة ويوقع باسمه.
وماذا كان سيقول؟ كان سيقول ما جمعه طوال تلك السنين من أشياء لم أخترها.
رأيت أبي يعمل بيديه حتى أكل الحجر من عمره، ثم مات. ولم يسأله أحد إن كان يقبل الثمن.
وعشت غريبا في مكان لم أختره، ووقفت ذات يوم أمام سلطة تملك أن تأخذ حريتي دون أن تسألني ماذا فعلت.
ثلاث فواتير وصلتني باسمي دون أن أطلب البضاعة: عمر أبي، وأرض الغربة، وحرية أخذت دون سؤال.
حاولت دفنه. مرارا. أغرقته بالأخبار العاجلة، فالعاجل يسكت القديم لبعض الوقت. لكنه كان يعود، أهدأ وأثقل.
أجبته بالمقالات. كتبت عن البلاد والناس والسلطة والموت، وكان كل مقال جوابا مهذبا لسائل لا يقبل التهذيب.
تعلمت في الطريق أن الكاتب يعرف ما يسكت عنه. ثم اكتشفت الحقيقة التي أخرتني نصف قرن: ما سكت عنه هو الذي كان يصرخ!
طلبت مني الحياة كل عام أن أتمنى شيئا. تمنيت النجاح مرة، والمال مرة، والشهرة مرات. ولم أتمن يوما أن يتكلم!
الآن فهمت لماذا لم أشعر أنني وصلت. كنت مترجما!
خمسين عاما وأنا أنقل لغته، لغة المشاهد، إلى لغة يعرفها الناس.
المترجم مهما أتقن يخسر شيئا في الطريق.
وما ظننته تسخينا لليد كان تمرينا على الإصغاء.
كل مقال التقط منه كلمة، وكل قصة حفظت له جملة، حتى اجتمع عندي من لغته ما يكفي لكتاب.
وعرفت أن للأوجاع أعمارا مثل البشر. بعضها يموت في الطفولة، وبعضها يشيخ حتى يصير حكمة، وبعضها يبقى شابا إلى الأبد لأن أحدا لم يجلس معه طويلا ليسمعه.
لا أنكر فضله. لولاه ربما مررت أمام الكرسي الفارغ ولم أره، ولما انتبهت إلى الضوء حين ينطفئ، ولما سمعت النداء الذي لا يجيبه أحد.
هو علمني مهنتي: أن أنتبه إلى الخبر الذي لا يعلن عن نفسه. فالكاتب الذي يرى كل شيء ولا يتألم لشيء قد ينظر كثيرا ولا يرى.
في العشرين كنت أسرع منه. وفي الخمسين صرت أبطأ بما يكفي ليلحق بي.
لذلك سأفعل هذه الليلة ما لم أفعله طوال حياتي: سأقطع الكيكة، وأعطيه القطعة الأولى. ثم أمنحه الصفحة كلها.
سأسحب الكرسي الفارغ إلى الطاولة، وأضع أمامه صحنا وشوكة. وأترك الباب مفتوحا نصف ساعة كما تركته أمي طوال تلك السنين، ثم أهمس أمنيتي الوحيدة بصوت عال: أن يبدأ.
سيظن من يمر تحت النافذة أنني أتكلم وحدي. وأنا أتكلم معه أخيرا.
لن أهذب صوته. لن أتكلم باسمه. لن أحذف منه ما يوجعني. سأتركه يتكلم عن أبي، وعن الغربة، وعن الباب الذي ظل مفتوحا نصف قرن. وأنا سأكتب. فقط.
والعالمية شأن الكتاب إن عبر الحدود، فالصدق يجد قارئه دون جواز سفر. وإن بقي على رف صغير في كشك في قاع المدينة، فقد أدى ما عليه.
وعدي الوحيد أن أكتب ما لا يحتاج إلى مترجم.
وأنتم أيها القراء، جربوها في عيد ميلادكم القادم. قبل أن تهمسوا بأمنياتكم، التفتوا خلف الكتف. ستجدون هناك من نشأ معكم في صمت. اسمعوه قبل أن تطلبوا منه الرحيل.
أما أنا، فهنئوني بفرح كامل. أقف أمام توأمي كمن وجد، بعد بحث طويل، أخا لم يعرف أنه كان يبحث عنه.
لا أعرف كم بقي لي من العمر. أعرف أن اثنين بلغا الخمسين معا، وأن واحدا منهما فقط يملك قلما. والآخر يملك الحكاية!
اليوم سأعطيه القلم.
وإذا تكلم أخيرا، فسأخبركم لمن كانت أمي تنادي.
كل عام وتوأمي بخير!
https://emad-dawoud.netlify.app/



