*
الاربعاء: 30 أيلول 2026
  • 30 أيلول 2026
  • 17:42
عمّان والنفايات المواطن يدفع فلماذا تغيّرت المعادلة
الكاتب: الدكتور زيد احمد المحيسن

عمّان مدينة راكمت عبر عقود طويلة خبرة واسعة في إدارة النظافة وجمع النفايات، وامتلكت كوادرها وآلياتها ومشرفيها وعمالها الذين يعرفون شوارعها وأحياءها وتفاصيلها، وكانت هذه الخدمة من صميم مسؤوليات أمانتها، بل إن المواطن نفسه يدفع بدل جمع النفايات ونقلها ومعالجتها والتخلص منها من خلال فاتورة الكهرباء، إذ ينص النظام على رسم سنوي عن كل وحدة سكنية مشغولة يُحتسب على الفاتورة بواقع عشرين دينارًا سنويًا للفئة التي لا يزيد استهلاكها على مئتي كيلوواط/ساعة شهريًا، مع إضافة خمسة فلسات عن كل كيلوواط يستهلك بعد ذلك؛ ومن هنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: إذا كان المواطن يدفع أصلًا مقابل هذه الخدمة، وإذا كانت الأمانة تمتلك خبرة متراكمة في إدارتها، فلماذا انتقلت إلى نموذج الشراكة مع القطاع الخاص؟ لا شك أن عمّان تغيرت، وأن المدينة اتسعت وازدادت احتياجاتها، وأن إدارة النفايات في المدن الحديثة لم تعد مجرد جمع ونقل، وإنما أصبحت منظومة متكاملة تشمل التشغيل والتكنولوجيا والفرز والمعالجة وإعادة التدوير والاستدامة، ومن حق الأمانة أن تبحث عن أفضل الوسائل لتطوير الخدمة، كما أن إشراك القطاع الخاص ليس خطأ في حد ذاته، إذا قام على المنافسة والشفافية والرقابة ووضوح المسؤوليات، لكن ذلك كله لا يلغي السؤال الأهم: ما القيمة المضافة التي ستقدمها هذه الشراكة مقارنة بالخبرة التي راكمتها الأمانة طوال سنوات طويلة؟ وما الذي كان ينقص الإدارة السابقة وأصبح متوافرًا اليوم لدى الشركات الخاصة؟ وهل أجريت مقارنة واضحة بين كلفة التشغيل التي كانت تتحملها الأمانة وكلفة النموذج الجديد؟ وكيف حُسب الوفر المالي المعلن بنحو 130 مليون دينار خلال عشر سنوات؟ وهل هذا الوفر سيعود بصورة مباشرة أو غير مباشرة على المواطن الذي يدفع رسم النظافة أصلًا؟ فالأمانة أعلنت أن الشراكة تمتد لعشر سنوات، وأن ثلاث شركات خاصة ستتولى أعمال نظافة المدينة وجمع ونقل النفايات في أقاليم محددة، وأن شركة «رؤية عمّان للمعالجة وإعادة التدوير»، المملوكة بالكامل للأمانة، ستتولى الدور التعاقدي والإشرافي ومتابعة الأداء وفق مؤشرات رئيسية؛ كما أعلنت أن الدراسات المالية تتوقع وفرًا بنحو 130 مليون دينار خلال مدة الشراكة. وهذه المعطيات تفتح بابًا مشروعًا أمام الرأي العام لطرح أسئلة أكثر تحديدًا: كم كانت كلفة النظافة على الأمانة قبل الشراكة؟ وكم ستصبح بعدها؟ وكم يبلغ مجموع ما تحصله الأمانة من رسوم النظافة سنويًا؟ وكم ستدفع للشركات؟ وما حجم الوفر الحقيقي بعد احتساب جميع النفقات؟ وما مؤشرات الأداء التي ستحدد نجاح الشركة أو تقصيرها؟ وماذا يحدث عندما لا تتحقق الخدمة بالمستوى المطلوب؟ أما ما يتردد في الشارع من أن هذه الشراكات قد تكون ذهبت إلى أصحاب نفوذ أو إلى جهات لها صلات بمراكز القرار، فلا يجوز أن يتحول إلى اتهام من دون وثيقة أو دليل، لكنه في الوقت نفسه لا ينبغي أن يُقابل بالصمت أو الاكتفاء بالنفي؛ فالشفافية هي الطريق الأقصر لإغلاق باب الشائعات، وذلك من خلال إظهار أسس الإحالة والاختيار، والكشف عن الملكيات ومجالس الإدارة، وبيان إجراءات منع تضارب المصالح، وترك الجهات الرقابية تقوم بدورها، خصوصًا أن الأمانة نفسها تؤكد أن شركة «رؤية عمّان» مملوكة لها بالكامل، وأنها استقطبت ثلاثين شركة محلية وأجنبية وطرحت عطاءً دوليًا انتهى إلى إحالة العمل على ثلاث شركات متخصصة، وأن الأداء يخضع للرقابة والتقييم وفق مؤشرات أداء معتمدة. وفي النهاية، المواطن لا يعنيه كثيرًا اسم الجهة التي ترفع النفايات بقدر ما يعنيه أن تُرفع في موعدها، وأن تبقى الحاويات والشوارع والأحياء نظيفة، وأن تصل الخدمة إلى الأحياء الشعبية والأطراف كما تصل إلى الشوارع الرئيسية، وأن تكون الشكوى مسموعة والاستجابة سريعة والمحاسبة واضحة؛ فنجاح الشراكة لا يقاس بتوقيع العقود ولا بعدد الآليات التي تدخل الخدمة، وإنما بما يراه المواطن في حياته اليومية، وبما تكشفه الأرقام بعد بدء التجربة: هل تحسنت النظافة؟ هل أصبحت الخدمة أكثر انتظامًا؟ هل انخفضت الكلفة؟ وهل تحقق الوفر المالي المعلن؟ والأهم من ذلك كله: هل حافظت الأمانة على خبرتها المتراكمة وطورتها، أم أن الشراكة أصبحت بديلًا عنها؟ فالإدارة الحديثة لا تعني أن تتخلى المؤسسات عن خبراتها، وإنما أن تطورها وتضيف إليها خبرات جديدة، وأن تستعين بالقطاع الخاص حيث يملك قيمة مضافة حقيقية، مع بقاء الرقابة والمساءلة وحماية المال العام مسؤولية المؤسسة العامة. ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يبقى حاضرًا ليس من يرفع الحاوية، وإنما ماذا أضافت الشراكة إلى عمّان؟ وإذا كان المواطن يدفع رسم النظافة أصلًا، فمن حقه أن يعرف ماذا يدفع، ولمن يدفع، وكم تبلغ كلفة الخدمة، وماذا يحصل عليه مقابل ما يدفعه؛ فالمال العام لا يحتاج إلى دفاع، وإنما يحتاج إلى أرقام واضحة، والخدمة العامة لا تحتاج إلى تبرير، وإنما تحتاج إلى نتائج يلمسها المواطن في بيته وحيه وشارعه. وعندها فقط ستكون الإجابة واضحة: هل جاءت الشراكة لتطوير خبرة عمّان، أم لاستبدالها؟

مواضيع قد تعجبك