ينقص الدولة قرار إداري واحد فقط.
وبعده لن يختلف أحد مع أحد بشأن الأبراج.
إما أن تعتمدوا الأبراج رسميا.
وإما أن تتوقفوا عن تقديمها للناس وكأنها فقرة من فقرات المعرفة.
أما أن تبقى معلقة بين الحقيقة والتسلية، فذلك لم يعد يقنع أحدا.
الدائرة تعرف يوم ميلادي.
وتعرف الشهر.
وتعرف السنة.
وتحتفظ بكل ذلك بدقة تحسب لها.
فلماذا يبقى البرج وحده خارج الملف؟
أضيفوه إلى بطاقة الأحوال.
خانة رسمية بعنوان واحد:
البرج!
فقد حان الوقت لنطالب عطوفة المهندس غيث الطيب بلمسة أخيرة تليق ببطاقتنا الذكية؛ التي ينقصها برج!
نعم، برج فلكي واضح يتوسط الوثيقة، ليجاور تلك "الصورة الشخصية" الأسطورية التي تجعل أوسم شباب الوطن يبدو في البطاقة كخريج سجون عتيد فار من العدالة!
نريد خانة رسمية للبرج؛ حتى إذا ما وقفنا أمام تعنت الموظف الذي يرفض "تمشية المعاملة" لعدم "توفر المزاج"، نظر إلى البطاقة وقال تفهماً: "آه.. برج العقرب.. الله يعينك ويعيننا عليك، توجه للمكتب المجاور!" نريد وثيقة حكومية مختومة تثبت طالعنا الفلكي، لنبرر بها للمجتمع كوارثنا اليومية وبيروقراطية معاملاتنا بوثيقة رسمية لا تقبل الشك!
الغريب أن هذه البطاقة مدججة بـ "شريحة إلكترونية ذكية" قادرة على تخزين التاريخ الصحي والملف الجنائي للمواطن، لكنها تعجز تماماً عن شرح طاقته الروحية للموظف خلف الزجاج!
فما فائدة البيانات الحيوية وبصمة العين إذا كان كوكب زحل يتراجع في منزله السابع ويعطل توقيع المعاملة؟
لا تكتفوا بذلك.
اربطوا به جميع الخدمات الحكومية!
من يتقدم لوظيفة، لا تسألوه عن شهادته أولا.
اسألوه عن برجه.
فقد يكون الأول على دفعته.
لكن عطارد متراجع هذا الأسبوع.
ومن يطلب قرضا، فليحصل أولا على موافقة المشتري.
ومجلس الوزراء لا يجتمع قبل الاطمئنان إلى مزاج زحل.
ولم نتعب أنفسنا بالانتخابات؟
ليعلن الفلكيون النتائج مسبقا.
ونوفر الوقت والمال والوعود.
وأنشئوا كذلك هيئة مستقلة للأبراج!
مهمتها متابعة المريخ.
والتأكد أن القمر لم يخالف تعليمات البث.
وافتحوا محكمة فلكية عليا!
تنظر في شكاوى مواليد الجدي إذا شعروا أن الحظ انحاز إلى مواليد القوس.
تضحكون.
وأنا أضحك معكم!
لكنني لم أقل شيئا أغرب مما يقال أحيانا بثقة كاملة على بعض الشاشات.
أنا فقط أخذت الفكرة نفسها إلى نهايتها المنطقية!
وهنا أتذكر موقفا خالدا من قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام، حين قال لقومه: «...بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون».
لم يكن السؤال يوما عن الصنم الأكبر، بل عن العقل الذي منحه ما لا يملك!
وهذا هو السؤال نفسه اليوم.
إذا كانت الأبراج علما، فلماذا تقف خارج أبواب المؤسسات؟
وإذا لم تكن كذلك، فلماذا تدخل كل صباح بلغة الجزم:
ستربح.
ستخسر.
ستلتقي.
احذر.
من أين جاءت كل هذه اليقينيات؟!
ولماذا نحارب الدجل حين يخرج من زقاق ضيق، ثم نسمح له بالدخول من استوديو مكيف إذا تغير الديكور؟
يتبدل الاستوديو.
ولا يتبدل الوهم.
أنا لا أطالب بمنع برنامج.
ولا بمصادرة فقرة.
ولا بملاحقة أحد.
أطالب فقط بالاتساق!
إما أن تكون الأبراج معرفة يمكن الدفاع عنها، فتدخل من الباب الكبير.
وإما أن تكون مادة للتسلية، فلا تلبس ثوب المعرفة.
مقالي هذا لم يكن عن الحمل.
ولا عن العقرب.
ولا عن الجدي.
كان عن برج آخر.
لا يظهر في السماء.
ولا يرصده الفلكيون.
ولا يحتاج إلى تلسكوب.
اسمه...
برج التناقض!
وهو البرج الوحيد الذي يبدو أن بعض مؤسساتنا تؤمن به حقا.
أما خانة الحقيقة، فما زالت شاغرة!



