*
الخميس: 16 تموز 2026
  • 16 تموز 2026
  • 21:12
العلاقة الطردية بين التضييق والتأييد 
الكاتب: الدكتور المحامي بشار الرواشدة

من المعلوم أن تأسيس أي حزب سياسي يستند إلى مجموعة من العوامل التي تمنحه القوة والقدرة على الاستمرارية؛ قد تكون قاعدة جماهيرية أو برامج إصلاحية وتنموية يتبناها الحزب على الصعيد الاقتصادي والسياسي والاجتماعي. لذا، تتجه الأحزاب إلى ممارسة أفعال وأقوال، وتبني مواقف وسياسات وخطابات من شأنها زيادة التعاطف الشعبي، وبالتالي زيادة عدد أعضائها وأنصارها، والذي يؤول، بالنتيجة، إلى تغيير منهجية تعامل الدولة مع الحزب. وفي المقابل، تؤكد التجارب إلى أن الأحزاب التي تفتقر إلى عوامل القوة غالبا ما تلجأ إلى الاندماج مع أحزاب أخرى لتعزيز حضورها، أو إلى حل الحزب وإنهاء نشاطها السياسي.

وعليه، تشير المصادر التاريخية إلى أن حزب الإخوان (الأمة) تأسس عام ١٩٤٥ بالتنسيق مع حزب الإخوان في مصر بوصفه كان امتداداً له بقيادة حسن البنا آنذاك. ومن الطبيعي أن أي حزب يسعى إلى بناء قاعدة جماهيرية وحاضنة شعبية؛ لذلك اضطلع حزب الإخوان (الأمة) بأدوار متعددة، عنوانها الرئيسي القضية الفلسطينية، من خلال تبنيها في خطابه السياسي وإبقائها حاضرة في الأوساط الرسمية والشعبية على حد سواء. لذلك شكلت القضية الفلسطينية أحد أبرز العوامل التي عززت الحضور الشعبي لديه، بالإضافة إلى عوامل سياسية وتنظيمية أخرى، مثل البرامج الخيرية التي يعقدها الحزب في المخيمات التي تعد أكبر قاعدة انتخابية له. وتشير التقديرات إلى أن دائرة التأييد التي يحظى بها حزب الإخوان (الأمة) قد اتسعت لتشمل شرائح اجتماعية وجغرافية أخرى. وهنا لا يفوتنا الإشارة إلى استغلال الحزب المساحة الممنوحة له تحت الضغوطات الشعبية الناتجة عن أحداث حرب غزة، من خلال تنظيم فعاليات وتجمعات احتجاجية نتج عنها زيادة أعداد المؤيدين جراء شحن المشاعر. إلا أنه لا يمكن الجزم بأن الإخوان اتخذوا من حرب غزة ذريعة لتقديم أنفسهم بوصفهم الأكثر وطنية والتزاما بالقضية الفلسطينية، أو أن الغاية هي تحريض الشعب وتأليب الرأي العام ضد الحكومة.

وبنظرة شاملة إلى العوامل الأخرى التي عززت تعاطف الشارع مع حزب الأمة، يبرز في مقدمتها تصاعد حدة المواجهة بين حزب الأمة والسلطة، سواء من خلال الاعتقالات لأعضاء الحزب أو إدانتهم بجرائم متعلقة بالدعم المادي للمقاومة في غزة. وكان آخر هذه التطورات الجدل الذي رافق قضية فصل أحد أعضاء مجلس النواب الذي ينتمي إلى ذات الحزب. في المقابل، يرى فريق آخر أن هذه الإجراءات تأتي ضمن إطار تطبيق القانون وحماية الأمن الوطني، بعيدا عن الاعتبارات السياسية. ومع ذلك، ساهمت هذه الأسباب مجتمعة في تنامي المسار التصاعدي لاتساع قاعدة الحزب من الضفتين. إلا أن هذا لا يعني بالضرورة أن السلطة لا تدرك تداعيات مظاهر التضييق التي تصب في مصلحة الحزب، سيما وأنها قد تكون انعكاسا لتصنيف الإخوان المسلمين كمنظمة إرهابية ورغبات جهات خارجية. وهذا ما يقودنا إلى التساؤل التالي: هل تولي الجهات الخارجية اهتماما لتداعيات الاحتقان الشعبي الذي تسببه السياسات التصعيدية التي تنتهجها السلطة في مواجهة تيار الإخوان؟

وفي سياق الحديث عن أسباب قوة الإخوان المسلمين، فإن المراقب للمشهد العام بصورة محايدة يرى أن الإجراءات الرسمية، على الرغم من أن هدفها المعلن الحد من نفوذ الإخوان، إلا أنها ربما تفضي عملياً إلى نتائج معاكسة تتمثل في زيادة التعاطف معهم، لا سيما وأن هذا النهج قد يؤدي إلى تعميق عجز الأحزاب الأخرى في الأردن، ووضعها في موقف محرج أمام العشرات من مؤيديها لعدم قدرتها على مجاراة حزب الأمة سواء من حيث الانتشار الجماهيري او التأثير السياسي او امتلاك رؤية واضحة وبرامج إصلاحية تستقطب المؤيدين الأمر الذي جعلها عاجزة عن منافسته على الساحة السياسية. ويثور هنا التساؤل التالي: هل سيترجم ازدياد التعاطف الشعبي مع الإخوان إلى زيادة رصيده الانتخابي، وبالتالي زيادة نسبة تمثيلهم داخل المجلس أم أن ملف الانتخابات له عوامل واعتبارات سياسية تتجاوز حجم التأييد الشعبي؟


في المحصلة، فإن صعود حزب الإخوان (الأمة) لا يمكن تفسيره بعامل واحد، بل هو نتيجة تفاعل مجموعة من العوامل السياسية والاجتماعية والإقليمية؛ بدءا من حضوره التاريخي وتبنيه قضايا ذات حساسية شعبية، مرورا بقدرته على استثمار التحولات الراهنة، وصولا إلى طبيعة العلاقة المتوترة مع السلطة. ومع ذلك، فإن اتساع دائرة التعاطف لا يعني بالضرورة تحوله إلى قوة انتخابية مؤثرة ما لم ينجح الحزب في ترجمة هذا الزخم إلى برامج سياسية واضحة قادرة على استقطاب شرائح أوسع من المجتمع. وفي المقابل، فإن أسلوب إدارة الدولة لهذا الملف سيبقى عاملا حاسما؛ في طريقة التعامل مع الحزب قد تحد من نفوذه أو تمنحه مساحة أكبر لتعزيز حضوره. لذلك، فإن المرحلة المقبلة ستكون اختبارا حقيقيا لقدرة حزب الإخوان (الأمة) على تحويل التعاطف الشعبي إلى مكاسب سياسية، وقدرة النظام السياسي على إدارة هذا التحول ضمن معادلة تحفظ الاستقرار والتعددية.

مواضيع قد تعجبك