*
الخميس: 16 تموز 2026
  • 16 تموز 2026
  • 14:38
السردية الأردنية من رواية الدولة إلى هندسة الوعي
الكاتب: د. بثينة محادين

في عالم يشهد تحولات متسارعة في وسائل الاتصال وتدفق المعلومات، لم تعد قوة الدول تُقاس فقط بما تمتلكه من موارد أو قدرات عسكرية أو اقتصادية، بل أصبحت تتأثر أيضاً بقدرتها على تقديم روايتها للعالم بصورة واضحة ومتسقة وموثوقة. فالصورة الذهنية التي تتشكل عن الدولة في أذهان الشعوب وصناع القرار قد تؤثر في مواقف سياسية، وشراكات اقتصادية، ومستويات الثقة الدولية، وهو ما يجعل السردية الوطنية موضوعاً يستحق اهتماماً متزايداً .

ومن هنا يبرز سؤال يستحق التأمل: هل أصبحت السردية الوطنية أحد عناصر القوة الوطنية، وربما أحد خطوط الدفاع المعنوية عن الدولة في العصر الحديث؟

إن السردية الوطنية ليست دعاية سياسية، ولا محاولة لتجميل الواقع أو إخفاء تحدياته، بل هي الإطار الذي تقدم من خلاله الدولة تاريخها، وهويتها، وقيمها، ومواقفها، وإنجازاتها، بصورة متماسكة تساعد الآخرين على فهمها في سياقها الصحيح. وعندما تغيب هذه السردية أو تفتقر إلى الاتساق، قد تظهر روايات أخرى يضعها خصوم أو أطراف خارجية، وقد تكون ناقصة أو منحازة، فتؤثر في إدراك الآخرين للدولة وقضاياها.

وفي هذا السياق، تبدو التجربة الأردنية جديرة بالتأمل. فمنذ تأسيس الدولة، واجه الأردن تحديات إقليمية متلاحقة، وتعامل مع أزمات إنسانية وسياسية وأمنية معقدة، واستطاع في كثير من المحطات أن يحافظ على الاستقرار وأن يؤدي أدواراً دبلوماسية وإنسانية لاقت تقديراً دولياً. غير أن هذه الإنجازات تدفع إلى التساؤل: هل وصلت قصة الأردن إلى العالم بالوضوح نفسه الذي وصلت به إنجازاته؟ وهل نملك سردية وطنية متكاملة تُروى باستمرار عبر الدبلوماسية العامة، والإعلام، والمؤسسات الثقافية، والفضاء الرقمي؟

لقد أصبحت معركة الإدراك العام جزءاً من العلاقات الدولية. فالدول لا تتنافس على النفوذ فحسب، بل تتنافس أيضاً على بناء الثقة، وكسب التعاطف، وتعزيز المصداقية. ومن هنا برزت أهمية الدبلوماسية العامة، والاتصال الاستراتيجي، والقوة الناعمة، بوصفها أدوات تساعد الدولة على إيصال روايتها إلى العالم.

ولا يعني ذلك أن السردية الوطنية تغني عن السياسات أو الإنجازات، فالسردية وحدها لا تصنع النجاح، لكنها تستطيع أن تشرح النجاح وتحميه من سوء الفهم أو التشويه. وفي المقابل، قد يؤدي غياب السردية الواضحة إلى اتساع الفجوة بين ما تنجزه الدولة فعلاً وما يراه الآخرون عنها.

إن الحديث عن السردية الأردنية لا ينبغي أن ينحصر في الدفاع عن الماضي، بل ينبغي أن يمتد إلى التفكير في المستقبل. فالعالم الرقمي أتاح لكل فرد أن يكون ناقلاً للمعلومة وصانعاً للرأي، الأمر الذي يجعل بناء سردية وطنية مسؤولية تشاركية، تسهم فيها مؤسسات الدولة، والجامعات، ووسائل الإعلام، والباحثون، والمجتمع المدني، مع الالتزام بالدقة والشفافية والقدرة على مخاطبة العالم بلغاته المختلفة.

ولعل القيمة الحقيقية لأي سردية وطنية لا تكمن في قدرتها على إقناع الجميع، فهذا أمر غير واقعي، وإنما في قدرتها على تقديم رواية متماسكة، تستند إلى الحقائق، وتفسر مواقف الدولة في سياقها، وتتيح للآخرين فهمها بعيداً عن الاختزال أو التضليل.

إن الأردن يمتلك رصيداً مهماً من التجارب السياسية والدبلوماسية والإنسانية، وهذا الرصيد يستحق أن يُروى بلغة العصر، وأن يتحول إلى سردية متجددة تستند إلى الوقائع، وتخاطب الداخل والخارج معاً. فبناء السردية الوطنية ليس مشروعاً إعلامياً عابراً ، بل هو استثمار طويل الأمد في صورة الدولة ومكانتها وثقة الآخرين بها.

وربما يكون السؤال الأهم الذي ينبغي أن يرافقنا في المرحلة المقبلة ليس: كيف نروي قصة الأردن؟ بل: كيف نجعل العالم يفهم الأردن كما هو، من خلال رواية صادقة، متماسكة، وقادرة على مواكبة تحديات العصر؟.

مواضيع قد تعجبك