لا تشبه الموازنة العامة في الأردن نظيراتها في الدول المستقرة، فهي ليست مجرد أرقام صماء تعبر عن إيرادات ونفقات بل هي خارطة نزيف ترسمها الجغرافيا السياسية قبل أن يخطها المحاسبون. في عمان لا تُقرأ الأرقام بمعزل عن أصداء المدافع في الشمال أو اضطراب الأمواج في العقبة، حيث تجد الدولة نفسها مضطرة لدفع ضريبة استقرار نيابة عن إقليم مضطرب وهي ضريبة لم تعد الموارد الشحيحة قادرة على سداد فوائدها ناهيك عن أصل الدين.
لقد ظل الأردن لعقود يلعب دور الإسفنجة الجيوسياسية يمتص الصدمات الإقليمية ويحولها إلى استقرار داخلي، لكن هذا الدور الذي كان يُنظر إليه كقوة ناعمة تحول تدريجياً إلى بند هيكلي في الموازنة يستنزف نحو 15% من الناتج المحلي الإجمالي إذا ما احتسبنا الكلف غير المباشرة. نحن لا نتحدث هنا عن كلف اللجوء التقليدية فحسب بل عن تحول الدولة من مقدم للخدمات لمواطنيها إلى حارس حدود لمنظومة إقليمية ودولية كاملة.
الأرقام تتحدث بمرارة، ففي الوقت الذي يسعى فيه مشروع موازنة 2025 لضبط نفقات إجمالية تقترب من 12.5 مليار دينار يبرز عجز أولي يصل إلى نحو 5.2% من الناتج المحلي الإجمالي بنهاية 2024. هذا العجز ليس نتاج سوء إدارة مالية فحسب بل هو انعكاس لـ فاتورة جوار باهظة. خذ مثلاً قطاع السياحة الذي يمثل رئة الاقتصاد الأردني فقد سجل تراجعاً في الإيرادات بنسبة 20% نتيجة تداعيات الحرب في غزة، وهو ما يعادل خسارة تقارب 300 مليون دولار في فترات قصيرة وفقاً لبيانات وزارة السياحة. هذا النزيف ليس مجرد أرقام بل هو توقف لتدفق العملة الصعبة وتجميد لآلاف الفرص الوظيفية.
وعلى الحدود الشمالية والشرقية يخوض الأردن حرباً صامتة ومكلفة ضد شبكات تهريب المخدرات العابرة للحدود. إن إسقاط أكثر من 300 طائرة مسيرة خلال العام الماضي وضبط ملايين الحبوب المخدرة يتطلب تكنولوجيا مراقبة وجاهزية عسكرية تقتطع نصيباً وافراً من الموازنة الرأسمالية التي كان من المفترض أن تذهب لبناء المدارس أو تحسين البنية التحتية. هنا تتحول الموازنة من أداة تنموية إلى درع أمني، وهو تحول بنيوي يهدد العقد الاجتماعي الداخلي.
أما ملف اللجوء فقد وصل إلى مرحلة الإنهاك التمويلي، فبينما يطلب الأردن 1.6 مليار دولار لخطة الاستجابة لعام 2025 تتراجع نسب التغطية الدولية بشكل مقلق مما يترك الخزينة الأردنية وحيدة في مواجهة كلف الضغط على موارد المياه والكهرباء والتعليم. إن استضافة 3.8 مليون لاجئ لم تعد مسألة إنسانية عابرة بل أصبحت إزاحة ديموغرافية تتطلب إعادة هندسة كاملة للمالية العامة.
وهنا يجب أن ندرك بكل وضوح أن المرحلة الراهنة لا تحتمل ترف الخطأ أو المواربة، فكل إخفاق في القرار الاقتصادي أو السياسي اليوم هو فاتورة إضافية يدفعها الشارع الأردني من جيبه ومن مستقبله. إن المسؤولية اليوم تقع على عاتق الجميع كل من موقعه، ولم يعد مقبولاً أن نترك مقدراتنا لغير أهلها؛ فمبدأ الرجل الصحيح في المكان الصحيح لم يعد مجرد شعار بل هو ضرورة وجودية لتجاوز هذه الأزمة الحساسة.
لتجاوز هذه الأزمة لا بد لصناع القرار من مغادرة مربع إدارة الأزمات نحو الاستثمار في المرونة. أولاً يجب تحويل ملف اللجوء من طلب مساعدات إلى عقود استثمارية دولية تربط التمويل بمشاريع إنتاجية كبرى في قطاعي المياه والطاقة بحيث تصبح الاستضافة ميزة تنافسية لا عبئاً مالياً. ثانياً ينبغي إطلاق سندات المرونة الجيوسياسية بدعم من المؤسسات الدولية تكون بفوائد صفرية وتوجه حصرياً لتمويل كلف حماية الحدود والاستقرار الإقليمي باعتبارها سلعة عامة عالمية يستفيد منها الجميع.
إن الأردن اليوم يدفع ثمن موقعه في قلب العاصفة لكن الموازنة لا يمكن أن تظل رهينة لتقلبات الإقليم. إن الحل لا يكمن في مزيد من الجباية بل في إعادة تعريف دور الأردن الوظيفي في المنطقة ليصبح مركزاً إقليمياً للمرونة مدعوماً بشراكات دولية تتجاوز منطق المنح التقليدية إلى منطق الشراكة في تحمل المخاطر. ففي عالم الجيوبوليتيك الجغرافيا قدر لكن تحويل القدر إلى فرصة هو جوهر السياسة الاقتصادية الحكيمة.



