*
الخميس: 16 تموز 2026
  • 16 تموز 2026
  • 23:03
إلى أين أهرب كل الاتجاهات أنتِ
الكاتب: عماد داود

بدأت من الصفر.
من عراء الروح قبل أن تعرف اسمها.
من أرصفة الذات التي كانت تمشي ولا تصل.
لم تكن لي جهة.
ثم جئتِ.
ومنذ تلك اللحظة، لم تعودي امرأة دخلت حياتي، بل صرتِ البوصلة.
وصار العالم كله مجرد طرق تؤدي إليكِ.
لهذا لم يعد سؤالي: أين أجدكِ؟
بل: إلى أين أهرب، وكل الاتجاهات أنتِ؟
كانوا يقولون إن للبوصلة أربع جهات.
واليوم أعرف أن الخرائط كانت تنقصها جهة خامسة.
جهة لا تشير إليها الإبرة.
ولا تلتقطها الأقمار الصناعية.
ولا يعثر عليها المسافرون.
اسمها أنتِ!
كلما اتجهت شمالاً وجدتكِ في وجه الريح، وجنوباً في ظل النخلة الأخيرة، وشرقاً تسبقين الشمس إلى الشروق، وغرباً تؤخرين الغياب حتى يخجل المساء من ظلامه.
وحين فكرت بالطيران، أدركت أن بعض الجهات لا تُقصد للوصول، بل للنجاة.
فعرفت أن السماء ليست جهة... بل احتمال.
أنتِ لستِ امرأة تُقاس بالكيلومترات، أنتِ طريقة ينظر بها القلب إلى العالم.
ولهذا لم أكن كلما ابتعدتُ عنكِ أقترب من نفسي، بل كنت أكتشف أنني ما زلت أدور حولكِ!
أنتِ ظل.
والظل لا يعد أحداً بالبقاء.
يمشي مع الضوء، ويختفي معه.
وربما كانت مأساتي أنني حاولت أن أبني بيتاً من ظل.
لن أختلق لكِ ماضياً يبرر رحيلكِ.
بعض الأرواح لا تهرب لأنها جُرحت، بل لأنها خُلقت وهي تؤمن أن الاقتراب نهاية الحرية.
في صدركِ ساعة رملية معكوسة.
يسقط رملها كلما اقتربتُ، لا كلما ابتعدتُ!
كأن حضوري زلزال صغير يهز الوقت داخلكِ، فتفرين من اقترابي.
لا يوقظ خوفكِ غيابي، بل ما يوقظه أن أقترب أكثر مما يحتمل خوفكِ.
وربما كان خطئي أنني جعلت من الحب وطناً، بينما كنتِ ترينه حدوداً!
حتى صار الحب نفسه حملاً ثقيلاً على قلب لم يتعلم بعد كيف يحمل كل هذا الضوء.
أقسى أنواع الهروب...
أن يصبح الاهتمام إنذاراً.
وأن يرتبك القلب...
كلما وجد من يطمئنه.
سألت نفسي كثيراً: هل أحببتُ امرأة؟ أم أحببتُ ذلك اللغز الذي يجعل الوصول مستحيلاً؟
ثم أدركت أن السؤالين واحد.
فأنتِ لا تغادرين الأماكن، بل تغادرين الثبات نفسه!
كل مرة تختفين، أتعلم اسماً جديداً للفقد.
كان حضورك أقل من الأمل الذي تركته في قلبي.
ثم فهمت متأخراً أن المشكلة لم تكن فيكِ.
كانت في وهمي.
ظننت الحب ميناء، فاكتشفت أنه بحر.
وظننته بيتاً، فاكتشفته طريقاً لا يعيد العابرين كما كانوا.
لم أركض خلف امرأة، بل خلف ذلك الإنسان الذي وُلِد داخلي يوم التقيتكِ.
والسراب لا يُلام لأنه لمع، إنما يُلام العطشان لأنه صدّق أن الضوء ماء!
كل من كتب في العشق قبلي ظن أنه يكتب عن امرأة، ثم اكتشف، بعد العمر كله، أنه كان يكتب عن نفسه.
ولهذا بقيت القصائد، بينما غابت الوجوه.
الأسماء تتبدل، أما الرجفة الأولى فلا اسم لها.
لا يهم اسمها.
فالزمن يمنح لقب ليلى لكل امرأة تغيّر مصير رجل، ثم تمضي.
وأنتِ، كنتِ ليلى التي كتبها هذا الزمن بحبره.
الحب لا يكشف المحبوب، بل يكشف العاشق.
ولأن أحداً لم يكتب دستوراً للعاشقين، فسأكتب مادته الوحيدة:
إذا أحببتَ روحاً لا تعرف البقاء، فلا تطلب منها وعداً، واطلب من قلبك أن يتسع للحقيقة.
فالحب لا يُقاس بطول الإقامة، بل بعمق الأثر الذي يتركه الراحلون.
قولي لي:
كم روحاً عبرت قلبكِ ثم خرجت تحمل شيئاً منكِ؟
وكم مرة ظننتِ أن الهروب نجاة، بينما كان اسماً آخر للخسارة؟
أما أنا، فلن أطارد ظلّكِ بعد اليوم.
لم يشفني الوقت، لكنه علمني ما لم يستطع الحب أن يعلمه.
وفهم القلب، أحياناً، أصعب من شفائه.
سأترك الجهات الأربع لأهل الأرض.
أما أنا، فقد اخترت جهة لا تعرفها الخرائط.
جهة لا يصلها الهاربون.
اسمها الطيران.
وهناك...
أدركتُ أن الجهة الخامسة لم تكن مكاناً أصل إليه، ولا امرأة أبلغها، بل الإنسان الذي أيقظتِه في داخلي.
وأبعد رحلة في الحب...
لم تكن إليكِ...
بل إليَّ!
 

مواضيع قد تعجبك