*
الثلاثاء: 14 تموز 2026
  • 14 تموز 2026
  • 18:19
قصور التشريع عن توفير الحماية الانتقالية  تعليق على حكم المحكمة الدستورية رقم 1 لسنة 2026
الكاتب: المحامي عبد الكريم الكيلاني

أقام أحد الأكاديميين الجامعيين طعناً دستورياً أمام المحكمة الدستورية الموقرة بعدم دستورية أحكام المادتين (9/ج) و(11/ح) من قانون جامعة العلوم الإسلامية العالمية رقم (16) لسنة 2008، لمخالفتهما – بحسب الطعن – أحكام المادة (6/1) والمادة (128) من الدستور الأردني.

توطئة

يقوم التفسير الدستوري، في أحد أهم أبعاده، على استجلاء الغاية التي ابتغاها المشرّع الدستوري من النصوص الضامنة للحقوق والحريات، بحيث لا يقتصر دور القاضي الدستوري على توصيف الحالة القانونية، وإنما يمتد – متى كان ذلك ممكناً – إلى البحث عن التفسير الذي يحقق أكبر قدر من الحماية للحقوق الدستورية، ولا سيما عند وجود قصور تشريعي أو غياب للأحكام الانتقالية اللازمة لصون المراكز القانونية القائمة.

ومن هذا المنطلق، فإن الدستور لا يمثل مجرد إطار لتنظيم السلطات العامة، وإنما يعد في المقام الأول أداة لحماية الأفراد من أي مساس غير مبرر بحقوقهم الدستورية، كما استقر في الفقه الدستوري الحديث أن الفرد لا ينبغي أن يتحمل وحده آثار تقاعس الإدارة أو تأخرها في استكمال البنية التشريعية والتنظيمية اللازمة لتنفيذ القانون.

أولاً: الرقابة الدستورية في مواجهة القصور التشريعي

يبدو أن المحكمة الدستورية قد تبنت في هذا الحكم اتجاهاً متحفظاً في بسط رقابتها على بعض صور القصور التشريعي، مكتفية بالإشارة إلى أن إصدار الأنظمة يدخل في نطاق اختصاص السلطة التنفيذية، ومن ثم لا تملك المحكمة إلزام المشرّع أو الإدارة بإصدارها.

ولا خلاف على أن المحكمة لا تملك إصدار الأنظمة أو الحلول محل السلطة المختصة، غير أن ذلك لا يحول – في تقديرنا – دون بحث مدى توافق النص التشريعي ذاته مع الدستور إذا كان قد رتب آثاراً قانونية مباشرة دون أن يوفر حماية انتقالية تكفل استمرار الحقوق التي قررها القانون ذاته.

ومن هذا المنظور، كان من الممكن بحث ما إذا كان ترك الموظفين المنقولين قسراً في فراغ تنظيمي، ترتب عليه المساس بحقوقهم المالية المستقرة، يتفق مع الضمانات الدستورية المقررة بموجب المادة (128) من الدستور.

ثانياً: التوازن بين السلطة التقديرية للمشرّع وضمان عدم المساس بجوهر الحق

يفهم من الحكم أن المحكمة اعتبرت الحقوق المالية التي لم تستحق قبل تاريخ النقل حقوقاً مستقبلية تخضع للنظام القانوني الجديد، تأسيساً على أن العلاقة الوظيفية بعد النقل أصبحت علاقة تنظيمية تحكمها التشريعات اللاحقة.

ويثير هذا التفسير – في تقديرنا – تساؤلات بشأن مدى اتساقه مع عدد من المبادئ الدستورية المستقرة في الفقه المقارن، وفي مقدمتها:

               •             مبدأ الأمن القانوني (Rechtssicherheit)، وما يتفرع عنه من حماية التوقعات المشروعة للأفراد الذين رتبوا أوضاعهم المالية والوظيفية في ظل تشريع نافذ.

               •             مبدأ التناسب (Proportionality)، بوصفه قيداً دستورياً على السلطة التقديرية للمشرّع عند تنظيم الحقوق والمراكز القانونية.

كما يبدو أن معالجة المحكمة لمبدأ المساواة انطلقت من مفهوم المساواة المجردة بين جميع المخاطبين بالقانون، في حين أن الطعن – بحسب ما يفهم من أسبابه – كان ينصرف إلى المساواة بين أصحاب المراكز القانونية المتماثلة، أو إلى المحافظة على المركز القانوني ذاته قبل النقل وبعده، وهو ما كان يمكن أن يفضي إلى مقاربة مختلفة في تقييم مدى تحقق المساواة الدستورية.

ثالثاً: أثر التفسير على الحماية التي تقررها المادة (128) من الدستور

يثير الحكم كذلك تساؤلاً حول مدى الأثر العملي الذي يتركه هذا التفسير على الضمانة التي أرادها الدستور في المادة (128)، والتي تقيد سلطة المشرّع في تنظيم الحقوق بما لا يمس جوهرها.

فإذا ترتب على التنظيم التشريعي فقدان الموظف المنقول قسراً للمزايا المالية التي استقر مركزه القانوني عليها، دون تقرير أحكام انتقالية تكفل استمرار تلك المزايا أو تنظيم انتقالها بصورة عادلة، فقد يثور التساؤل عما إذا كان ذلك يمثل مجرد تنظيم للحق، أم أنه يقترب من المساس بجوهره.

ومن هذه الزاوية، قد يُفهم أن التفسير الذي انتهى إليه الحكم يضيق من الأثر الحمائي للمادة (128)، ويمنح السلطة التنظيمية نطاقاً واسعاً في إعادة هيكلة المرافق العامة، حتى ولو انعكس ذلك على الاستقرار المالي للمراكز القانونية القائمة.

رابعاً: تفسير عبارة "مع كامل حقوقهم المالية والإدارية"

لم يأخذ الحكم – فيما يبدو – بالتفسير الواسع لعبارة "مع كامل حقوقهم المالية والإدارية"، إذ انتهى إلى قصر الحماية على الحقوق التي اكتملت واستحقت قبل النقل، مع إخضاع الحقوق اللاحقة للتشريعات والأنظمة الجديدة.

ويبدو أن تفسيراً آخر للنص كان ممكناً، يقوم على أن المشرّع، حين قرر نقل الموظفين "مع كامل حقوقهم المالية والإدارية"، قد قصد توفير ضمانة موضوعية لاستمرار المزايا المرتبطة بمراكزهم القانونية، بما يحقق الاستقرار الوظيفي والمالي الذي يفهم عادة من مثل هذه العبارات.

ومن ثم، فإن قصر الحماية على الحقوق المستحقة قبل النقل قد لا يكون التفسير الوحيد الممكن للنص، خاصة في ضوء المبادئ الدستورية ذات الصلة بحماية الحقوق المكتسبة والأمن القانوني.

ولا يبدو أن الاستناد إلى السلطة التقديرية للمشرّع أو إلى مبدأ الفصل بين السلطات يحول، في ذاته، دون تبني تفسير يحقق قدراً أكبر من الحماية الدستورية للمراكز القانونية المستقرة، متى احتمل النص هذا التفسير.

مبادئ دستورية كان يمكن الاستئناس بها

أولاً: حظر المساس بجوهر الحقوق

تظل سلطة المشرّع في تنظيم الحقوق سلطة مقيدة بأحكام المادة (128) من الدستور، بما يحول دون الانتقاص من جوهر الحق أو تفريغه من مضمونه العملي، ولو كان ذلك تحت ستار التنظيم التشريعي.

ثانياً: الأمن القانوني وحماية التوقعات المشروعة

يعد الأمن القانوني أحد المبادئ الراسخة في القضاء الدستوري المقارن، ويقتضي أن يتمكن الأفراد من ترتيب أوضاعهم القانونية والمالية في ظل قدر معقول من الاستقرار التشريعي، وألا يفاجؤوا بتغييرات تمس مراكزهم القانونية دون أحكام انتقالية تحقق التوازن بين المصلحة العامة والحقوق الفردية.

ثالثاً: مبدأ التناسب

يفترض مبدأ التناسب أن تختار السلطة التشريعية الوسيلة التي تحقق المصلحة العامة بأقل قدر ممكن من المساس بالحقوق، بحيث يكون التنظيم التشريعي متدرجاً وضرورياً ومتناسباً مع الغاية التي يستهدفها.

رابعاً: علوية الدستور وتدرج القواعد القانونية

يبقى الدستور في قمة الهرم التشريعي، ومن ثم فإن الاتفاقات أو مذكرات التفاهم الإدارية لا يمكن أن تحل محل الضمانات التي كفلها الدستور، ولا أن تعالج ما قد يشوب النصوص التشريعية من قصور في حماية الحقوق.

ختاماً

في ضوء المبادئ الدستورية الحديثة، كان من الممكن – في تقديرنا – تبني تفسير متوافق مع الدستور (Verfassungskonforme Auslegung)، مؤداه أن عبارة "مع كامل حقوقهم المالية والإدارية" تشمل استمرار احتساب الحقوق المالية المرتبطة بالمركز القانوني السابق، ومنها مكافأة نهاية الخدمة والادخار، ما لم ينص المشرّع صراحة على خلاف ذلك وبما لا يتعارض مع الضمانات الدستورية.

النتيجة

يخلص هذا التعليق إلى أن الحكم قد اختار أحد التفسيرات الممكنة للنصوص محل الطعن، وهو تفسير يمنح المشرّع نطاقاً واسعاً في ممارسة سلطته التنظيمية. غير أن قراءة دستورية أخرى كانت تبدو ممكنة، تستند إلى مبادئ الأمن القانوني، والتناسب، وحماية التوقعات المشروعة، والتفسير المتوافق مع الدستور، بما يعزز الحماية الانتقالية للمراكز القانونية  ويكفل  الضمانات الدستورية .

مواضيع قد تعجبك