لا خلاف على حق الدولة في تحصيل أثمان المياه؛ فالخدمة العامة لا تستمر بلا موارد، ومن يدفع لا ينبغي أن يتحمل كلفة من يتأخر. لكن السؤال الذي أشعل النقاش في الكرك ليس: هل تُحصَّل الفواتير؟ بل: كيف، ومن يتحمل المسؤولية؟
ما أثير حول حجز أرصدة شركاء وورثة بسبب ذمم مرتبطة باشتراكات مياه قديمة يستحق توضيحاً رسمياً شفافاً. فالوارث ليس بالضرورة مستهلكاً، والشريك في عقار ليس تلقائياً مسؤولاً عن كل فاتورة نشأت فيه. وبين حماية المال العام وحماية الحقوق الفردية مساحة يجب ألا تُترك للاجتهاد أو المفاجآت.
المطلوب ليس إيقاف التحصيل، بل بناء منظومة تحصيل ذكية وعادلة تحمي المال العام وتحفظ حق المواطن في الوقت نفسه. تبدأ هذه المنظومة بتحديث بيانات الاشتراكات وربط كل مديونية بصاحب الانتفاع الفعلي وفترة الاستهلاك، لا بالعقار أو الورثة والشركاء بصورة تلقائية. ثم تعتمد إنذاراً متدرجاً وموثقاً عبر الرسائل النصية والإشعارات الإلكترونية والتبليغ الرسمي، قبل الانتقال إلى أي إجراء تنفيذي. وفي الحالات المرتبطة بتركات أو ملكيات مشتركة أو عقارات مؤجرة، يجب وقف الحجز مؤقتاً وإحالة الملف إلى مسار مراجعة سريع يحدد المسؤولية بدقة خلال مدة زمنية معلنة. كما ينبغي أن تكون التسوية والتقسيط المرن والإعفاء المدروس من الغرامات الخيار الأول، مع نشر دليل واضح يشرح للمواطن حقوقه، وطرق الاعتراض، وخطوات السداد. فالتحصيل الناجح ليس الأسرع في الحجز، بل الأكثر دقة وشفافية وقدرة على استعادة المال العام من دون خلق مظالم جديدة.
الثقة لا تُبنى عندما يكتشف المواطن الحجز على حسابه، بل عندما يعرف مسبقاً ما عليه. ولماذا، وكيف يعترض أو يسدد.
الأردن يحتاج نظام تحصيل يحمي المال العام من دون أن يحوّل المسؤولية الفردية إلى عبء عائلي أو عقوبة جماعية.
السؤال الذي يستحق الإجابة: هل نريد تحصيلاً أسرع فقط، أم تحصيلاً عادلاً يعزز الثقة بالدولة؟



