هناك لحظات في حياة الأمم لا تُقاس بما يُقال فيها، بل بما لا يُقال. لحظات يُعاد فيها ترتيب المشهد من تحت الطاولة، ثم يُطلب منك أن تصفق في الوقت المحدد، وإلا دخلت في خانة "المنزعجين نفسيًا". قرأت مقال الدكتور طارق سامي خوري، ولم أقرأه كرأي عابر، بل كوثيقة. وثيقة تكشف عن بنية سؤال لا يريد أن يستفهم، بل أن يحكم. سؤال يبدأ بـ "لماذا" وينتهي بستة أحكام جاهزة: تنافر نفسي، اصطفاف مسبق، إعلام مشوّه، خوف، مصلحة ذاتية، أزمة أولويات. ست خانات فارغة تنتظر من لا يصفق. ستة أقفاص توضع قبل المحاكمة.
لكن هناك صوتًا سابعًا لم يدعُه الدكتور طارق إلى نصه، لأنه لو دُعي لانهار المقال فوق كاتبه. صوت من لا يريد أن تكون بلاده مجرد محطة عبور. صوت من يعرف أن السؤال الأول في السياسة ليس "مع من تقف؟" بل "من يقرر؟". هذا الصوت هو الذي يجعل من "الانزعاج" وعيًا، ومن الصمت موقفًا، ومن حماية السماء سيادة.
نحن في الأردن نفرح حين تُضرب إسرائيل. هذا موقف لا يحتاج إلى تأويل. لكن الفرح بالحدث لا يعني التسليم بمن يتحكم بالحدث. هناك فرق بين من يفرح بالنصر وبين من يسلم مفتاح بيته لمن ينتصر. السماء التي تمر فوق بلادنا ليست شعارًا يُرفع في المهرجانات. هي النهر الذي لا يعبر مرتين. هي الشجرة التي إن قطعت جذورها، لن تحمل ثمرًا لأحد. هي الطريق الطويل الذي لا يمكن اختصاره بلحظة انتصار.
وحين يدافع الجيش العربي عن سماء الأردن، لا يدافع عن إسرائيل. يدافع عن مبدأ أن للدولة حقًا حصريًا في تقرير ما يدخل أجواءها. هذا المبدأ هو الفاصل بين من يملك قراره ومن يُدار بقرار غيره. فإما أن تقبل أن للأردن سيادة تصونها، أو أن تقول صراحة إن السيادة امتياز تُمنح لمن يستحق. وهذا الأخير هو بالضبط ما تقوله إسرائيل حين تخترق حدود جيرانها. الفارق بين من يعبر بلا إذن ومن يمنع العبور ليس فارقًا في المبدأ، بل فارق في الشعارات. والشظايا لا تقرأ الشعارات.
هنا يظهر الصوت الذي أراده الدكتور طارق أن يكون الصوت الوحيد: صوت من يريد أن تُختزل القضية الفلسطينية في راية واحدة، وأن يُختصر الانحياز لها في تبعية واحدة. وكأن انزعاجنا من قصف الكيان الصهيوني لا يمكن أن يكون خالصًا إلا إذا كان تحت راية طهران. وهنا تتداخل الأصوات: صوت السلطة في طهران حين تتحدث عن تحرير القدس، وصوت ميليشياتها حين تحول سوريا إلى أنقاض، وصوت من يبرر بأن هذه هي "مقاومة"، وصوت من يعترض في صمت على استباحة وطنه، وصوت الشارع العربي الذي يشعر قبل أن يفسر: أنه يُستعمل.
هذا هو المشروع الذي يُباع لنا تحت عنوان المقاومة. مشروع حوّل سوريا إلى مسرح لميليشياته قبل أن يحولها إلى أنقاض، وأطال عمر نظام أباد شعبه بالكيماوي والبراميل. مشروع جعل من العراق دولة داخل دولة، ومن لبنان معادلة لم يخترها اللبنانيون يومًا: قرار حرب وسلم لا يملكه البرلمان ولا الشعب، والفواتير تدفع بالدم والجوع. مشروع حوّل اليمن إلى أكبر كارثة إنسانية في العالم، وساعد في قمع الحراك الشعبي في البحرين. مشروع يطلق الصواريخ خارجًا والرصاص داخلًا بالأداة ذاتها، ويسمي الاسمين مختلفين.
هذا هو النموذج الذي يريد الدكتور طارق أن يكون وصيًا على سمائنا. هذا هو "البديل" الذي يقدمه لمن لا يريدون وصاية أميركية. وكأن الخيار محصور بين وصايتين، وكأن من يرفض الوصاية لا بد أن يكون تحت واحدة منها. لكن هذا هو وهم العقل التابع: أنه لا يستطيع تصور وجود خارج معادلة الاستبدال. الأردن ليس تحت وصاية أميركا. الأردن دولة ذات سيادة تقيم تحالفات على أساس مصالحها الوطنية. الفرق بين التحالف والوصاية ليس فرقًا في الدرجة بل في النوع. التحالف يُبرم بين دولتين سياديتين، وتنتهي حدوده حيث تبدأ حدود القرار الوطني المستقل. الوصاية تُفرض على دولة مستباحة الإرادة، لا تملك الخروج منها إلا بثمن باهظ. الأردن أقام تحالفه لأنه خدم مصلحته، وسيظل ما دام كذلك. وهذا التحالف لا يلغي سيادة الأردن، والدليل أنه خالف الرغبة الأميركية بوضوح في لحظات فارقة، عندما اقتضت المصلحة الوطنية ذلك.
ما يطلبه منا الدكتور طارق ليس تحررًا من وصاية لا نعانيها، بل الدخول في وصاية جديدة. أن نستبدل تحالفًا سياديًا بتبعية تسمى "مقاومة". أن نبيع جذور الشجرة التي نحن فيها مقابل ظل شجرة لا نعرف إن كانت ستظللنا أم تسقط علينا.
وهنا نصل إلى السؤال الذي لم يطرحه الدكتور طارق، لأنه لو طرحه لانكشفت المفارقة: ما الذي يجعل من هذا النموذج مؤهلاً لأن يكون وصيًا على سيادتنا؟ هل هو سجل قمع شعبه بالرصاص الحي في كل عقد؟ هل هو شعب يهتف "لا غزة ولا لبنان، روحي فداء إيران"؟ هل هو تعاونها مع إسرائيل في إيران-كونترا لضرب دولة عربية؟ هل هو تفاوضها مع "الشيطان الأكبر" خلف الطاولة بعد أن رفعته شعارًا فوقها؟ هذه الأسئلة ليست خدمة لأحد. هي واجب من لا يريد أن يستبدل سيدًا بسيد. "الشيطان الأكبر" بالنسبة لإيران ليس عدوًا وجوديًا، بل شريك حين تتفق المصالح، وعدو حين تختلف. وهذا هو المنطق نفسه الذي تنتقده في الآخرين. فإما أن يكون المبدأ مبدأ، أو تكون المصالح هي ما تتحكم. لا يمكن أن يكون لإيران وحدها الحق في أن تكون براغماتية، بينما يُطلب منا نحن أن نكون مثاليين حتى الاستشهاد.
الأردن الذي يغمز جانبه الدكتور طارق بعبارات عن "الاستقرار الهش" و"المصالح المرتبطة" لا يحتاج إلى دفاع. يحتاج إلى فهم أن الجغرافيا السياسية ليست خيارًا. الأردن دولة صغيرة في أكثر مناطق العالم تعقيدًا. سر بقائها ليس في الشعارات، بل في قدرتها على إدارة التوازنات. ليس ضعفًا أن تعرف حدود قدراتك. بل هو عين الحكمة. الجيش العربي لا يحتاج إلى شهادة وطنية من أحد. هو جيش له عقيدته وتاريخه وعدوه الواضح. حين يحمي سماء الأردن، لا يدافع عن إسرائيل. يدافع عن الأرض التي يقف عليها، وعن السماء التي تظلله، وعن مبدأ أن للدولة سيادة تصونها. ومن يقرأ في فعل الجيش الأردني دفاعًا عن إسرائيل، فهو إما لا يفهم معنى الجيش الوطني، أو أنه يريد للأردن أن يكون بلا جيش، أو أنه يريد للجيش الأردني أن يكون أداة بيد غير الأردن.
المقاومة الحقيقية لا تُبنى على استباحة سيادة الآخرين. القضية الفلسطينية قضية عادلة، لكنها لا تُخدم بأن تصبح الدول العربية ساحات مفتوحة لصراعات لا تملك قرارها. الدولة التي تفقد سيادتها لا تستطيع أن تساعد أحدًا، لأنها تكون قد فقدت القدرة على مساعدة نفسها أولاً. نحن في الأردن نرفض أن تكون سماؤنا ممرًا لحروب الآخرين. نرفض أن تُختزل مقاومتنا لإسرائيل في أن نكون ساحة لغيرنا. نرفض أن يُشترط علينا التخلي عن سيادتنا كدليل على انحيازنا. فلسطين قضيتنا قبل أن تكون قضية أي أحد، وستبقى كذلك. لكن القضية لا تُخدم بأن نتحول نحن أنفسنا إلى قضية.
الدكتور طارق يريد منا أن نختار بين وصاية أميركية لا نعانيها ووصاية إيرانية لا نريدها. نحن نختار ما اخترناه دائمًا: أردنًا قويًا بسيادته، واضحًا في انحيازه، مدركًا لحدوده، غير قابل لأن يكون ساحة لأحد. نفرح حين تُضرب إسرائيل، بعيدًا عن سمائنا. وسماؤنا لا نعيرها.
وهذا ليس انزعاجًا نفسيًا. هذا ليس تنافرًا. هذا ليس خوفًا. هذا ليس ضعفًا.
هذا موقف.
والمعنى، في النهاية، لا يصنعه من يملك الصوت الأعلى، بل من يملك الجملة التي لا تُنسى. سماؤنا لا نعيرها. جملة واحدة. تحمل نهرًا من معنى. وشجرة من سياق. وطريقًا طويلًا لمن يقرأ بعد مئة عام ويبحث عن النص الذي فهم زمنه قبل أن يمر.



