*
الاثنين: 11 أيار 2026
  • 11 أيار 2026
  • 13:12
مواطن فائض عن حاجة الموازنة
الكاتب: زهير الشرمان

​يا صاحب الأرقام، ويا سدنة "الهيكل المالي" الذي لا يأتيه الباطل من خلف الشاشات ولا من بين أيدي الموازنات الناعمة… طالما أصغينا إلى خطبكم العصماء، فخيل إلينا أننا أمام "حارس موازنة" لا يرى في الإنسان إلا بندا يضاف، أو رقما ينبغي شطبه حفاظا على توازن المؤشرات.

​ولأننا من عامة هذا الواقع المرهق، رأينا أن نرفع إليكم رسالة اعتذار تليق بمقامكم الرفيع فوق أوجاعنا.
​يا صاحب الأرقام…

​نعتذر لأننا ما زلنا نتنفس؛ فالهواء الذي نستهلكه يبدو أنه سقط سهوا من بنود موازنتكم الموقرة، ونعتذر لأن أجسادنا المادية ما تزال تزاحم معادلاتكم المثالية. 

لقد اكتشفتم بعبقريتكم الاقتصادية أن العامل الذي يقتات على علبة سردين "ميلو" هو مواطن مترف وجب عليه التقشف قانونا — وربما شرعا —  في مرحلة لاحقة، وأن سائق "التاكسي" الذي يغالط جوعه بفنجان قهوة على معدة خاوية  إنما يمارس سلوكا استهلاكيا يهدد جودة الاستقرار المالي للدولة!

​حقا… كيف غاب عن هؤلاء البسطاء أن واجبهم الوطني هو "الانكماش" حتى تستقيم مؤشراتكم الاقتصادية الكلية الجميلة؟
 لا أحد ينكر تعقيد التحديات الاقتصادية التي تواجه الدولة، لكن حماية الإنسان يجب أن تبقى جوهر أي سياسة مالية؛ فما قيمة الأرقام إذا صحت الموازنة واعتل الإنسان؟

​لقد أبدعتم في بناء بنية تحتية من نوع خاص؛ بنية تجعل المواطن يحتاج إلى قرض بنكي كي يقطع شارعا في الشتاء، أو يسدد فاتورة كهرباء تبدو أقرب إلى "رسالة تهديد" منها إلى كشف استهلاك. 

أما المديونية، فتنمو في دفاتركم كما ينمو الشوك الشهي في الحقول المنسية، والعجز يتضخم بينما يطلب من المواطن أن يتقلص… حتى يختفي.
​والكاميرات الذكية تراقبنا بدقة مذهلة؛ تلتقط المخالفة بابتسامة إلكترونية مثلجة، لكنها — ويا للمصادفة — تصاب بالعمى الكامل حين تمر بجانب طوابير الباحثين عن كرامة اقتصادية غائبة.

​هل جربتم يوما ترف الأب الذي يقف أمام بائع الخضار، لا ليختار الأجود، بل ليحسب الأرخص؟ ثم يغادر بنصف حاجته، ويكذب على أطفاله قائلا: "مش ناقصنا شيء"؟ 
وهل تعرفون حجم الإبداع الذي تمارسه أم خنساء — همها أن تربي "زلم" — وهي تعيد تدوير الوجبة ذاتها، لأن الراتب لم يعد يحتمل رفاهية طبخة جديدة؟

​ثم نعتذر لأن جامعاتنا لم ترتق إلى مستوى طموحاتكم، فاضطررتم — وأنتم أشد الناس حبا للوطن — إلى إرسال أبنائكم للدراسة في الخارج، حيث قسوة الغربة ومرارة المنافي الاختيارية، بينما ترك أبناء هذا الوطن هنا ليتقنوا مهارة الصبر… تلك المادة التي لا تدرس في "أكسفورد" ولا في "السوربون".

​اطمئن يا صاحب الأرقام…
​سنواصل التقشف حتى الذوبان. سنؤجل الجوع إلى السنة المالية القادمة، ونضغط أحلامنا لأنها تستهلك طاقة ذهنية زائدة، ونمشي على أطراف أعمارنا كي لا نزعج هدوء مكاتبكم العاجية المكيفة.

 لقد قيل لنا يوما إن الوطن "أم"، لكننا لم نكن نعلم أن الأم تطلب فاتورة ضريبية مقابل كل لقمة.

​أما الرفاهية عندنا، فلا تجرؤ حتى خيالاتنا أن تربطها بالسفر أو الفنادق ذات النجوم السبعة أو السيارات الفاخرة التي أنتم لها أهل… بل رفاهيتنا هي أن نمر بجانب بائع الخضار دون أن نشعر بالذنب لأننا اشتهينا "كيلو تفاح محلي".

​إن أرقامكم ليست كأرقامنا. أرقامكم لا تستيقظ فجرا لتشتري الخبز، ولا تمرض ليلا فتبحث عن دواء، ولا تنكسر أمام طفل يطلب ثوب عيد أو لعبة مستعملة. فقط نحن من يفعل ذلك.

 أرقامكم تولد كاملة الدسم، محصنة ضد القلق والمساءلة، لا تعرف ارتباك الأب حين يفتش جيوبه قبل أن يجيب ابنه: "غدا نشتريها". أرقامكم لا تهزم أمام فاتورة،  ولا تعرف ذلك الصمت الموجع الذي يسكن البيوت حين يصبح الحلم ترفا، والستر معركة يومية.

​أما نحن… فنعيش أعمارنا بين قسط متأخر، ودواء مؤجل، وكرامة نحاول ألا تسقط أمام أعين أطفالها.

​لذلك، استمروا في حماية مؤشراتكم التي ترضي "البنك الدولي"؛ ولي نعمتنا ومنقذ اقتصادنا ببركة دعائه المستجاب لديكم، وآثار نعمائه الرغيدة علينا. واحذروا جيدا من "الخلل الإنساني" الذي قد يفسد جمال معادلاتكم الباردة؛ تلك المعادلات العميقة إلى حد يعجز عن فك طلاسمها حتى فطاحل الاستثمار من خريجي مدارسكم أنفسهم.

​اتركوا لنا بقايا حياتنا المرتبكة، واحتفظوا لأنفسكم بكمال الأرقام. فإن كانت موازنات الأرض لا تتسع لآلامنا… فإن موازنة السماء  لا يضيع فيها مثقال ذرة من قهر.

​نحن أرقام في دفاتركم… لكننا أرواح في كتاب الله.

مواضيع قد تعجبك