*
الاثنين: 11 أيار 2026
  • 11 أيار 2026
  • 21:16
حين يتحول البيت إلى مصدر خوف  الثقة التي تُقتل باسم التربية
الكاتب: د. بثينة محادين

ليس أخطر ما يواجهه الإنسان دائماً في الخارج، بل قد يبدأ الخطر من الداخل، من المكان الذي يُفترض أن يكون الأكثر أماناً في حياته وهو البيت.
هناك، حيث يُفترض أن يجد الأبناء الطمأنينة، قد تتحول الكلمات إلى محكمة، والنقاش إلى مساءلة، والخطأ إلى حكم قاسي . ومع الوقت، لا يعود الصمت مجرد اختيار، بل يصبح وسيلة نجاة.
كثير من الأبناء لا يتوقفون عن الحديث لأنهم لا يملكون ما يقولونه، بل لأنهم تعلّموا—بشكل مباشر أو غير مباشر—أن الكلام قد يُقابَل بالغضب، أو التوبيخ، أو عدم التصديق. وهكذا، يبدأ الانسحاب بهدوء، ويكبر الصمت حتى يصبح حاجزاً بين الطفل وبيته.
المشكلة أن الأهل في كثير من الأحيان يظنون أن التربية تعني كثرة التوجيه، وشدة الرقابة، والحسم الدائم. لكن ما يُهمل أحياناً هو الأساس الأعمق  وهو (الشعور بالأمان العاطفي) .ذلك الشعور الذي يجعل الابن يثق أن بإمكانه أن يتحدث دون أن يُكسر، وأن يُخطئ دون أن يُرفض.
وحين لا يُبنى هذا النوع من الأمان داخل البيت، فإن الفراغ الذي يتركه لا يبقى فارغاً. بل يبدأ الأبناء بالبحث عن بدائل خارجية يمنحوها ثقتهم ومشاعرهم، أحياناً دون قدرة على التمييز أو الحذر الكافي. وهنا تكمن الخطورة، ليس فقط في الابتعاد عن الأهل، بل في أن تُمنح الثقة لأشخاص أو بيئات قد لا تكون مؤهلة لحملها.
وفي أحيانٍ أخرى، لا يقتصر كسر الثقة على الدائرة القريبة أو الأسرية فقط، بل يمتد إلى دوائر يفترض أنها تمثل الأمان بحد ذاته. فحين يظهر من يُفترض أن يكون مصدر حماية ورعاية—بحكم مهنته أو موقعه—متورطاً في استغلال هذه الثقة بشكل صادم، ندرك أن المشكلة أعمق من سلوك فردي عابر. إنها تذكير قاسٍ بأن الثقة، مهما كانت ضرورية، تحتاج دائماً إلى وعي وحدود واضحة، وأن غياب هذه الحدود قد يحوّل أماكن الأمان المفترضة إلى مصدر خطر غير متوقع. والأخطر من ذلك أن ضعف هذا الوعي يبدأ غالباً من البيت نفسه، حين لا يتعلم الأبناء كيف يميزون، أو كيف يطرحون الأسئلة، أو كيف يثقون دون أن يفقدوا قدرتهم على الحذر.
في زمن مفتوح وسريع، لم يعد دور الأسرة محصوراً في الحماية من الخارج فقط، بل في بناء علاقة داخلية متينة، تجعل البيت مرجعاً نفسياً ثابتاً ، لا مجرد مكان للسكن.
إن أخطر ما يمكن أن يفقده الابن ليس المعرفة أو التوجيه، بل الثقة. تلك الثقة التي تجعله يعود حين يتعب، ويتحدث حين يحتار، ويطلب المساعدة دون خوف من الإدانة.
التربية ليست في السيطرة على السلوك فقط، بل في بناء علاقة تجعل الإنسان قادراً على مواجهة ذاته أولاً . علاقة يشعر فيها أن قيمته لا تسقط عند الخطأ، وأن وجوده غير مشروط بالكمال.
الأمان داخل الأسرة ليس تفصيلاً تربوياً ثانوياً، بل هو الأساس الذي تُبنى عليه الشخصية كلها. وهو ما يحدد إن كان الابن سيحكي أو يصمت، يقترب أو ينسحب، يثق أو يخاف.
وفي النهاية، البيت الحقيقي ليس جدراناً نعيش داخلها، بل مساحة يشعر فيها الإنسان أنه مفهوم، ومقبول، ومحمي، حتى عندما لا يكون على ما يرام.

مواضيع قد تعجبك