خبرني - تشهد المملكة مع بداية كل صيف عودة ملف المياه إلى واجهة الأولويات الوطنية، في ظل الضغوط المتزايدة على المصادر المائية وإرتفاع الطلب، خصوصًا مع محدودية المصادر المائية الجديدة وتزايد الاحتياجات السكانية والزراعية.
وفي هذا السياق، جاءت أمس، تصريحات وزير المياه و الري رائد أبو السعود خلال إجتماع خطة الصيف لقطاع المياه، لتؤكد أن الحكومة تنظر إلى ملف التزويد المائي بوصفه قضية أمن وطني تتطلب إدارة دقيقة وعدالة في التوزيع واستجابة سريعة لأي اختلالات.
لكن الحديث عن "عدالة التوزيع" و"تحسين التزويد" لا يمكن فصله عن الواقع الحقيقي للمصادر المائية في الأردن، وفي مقدمتها تخزين السدود، ومشروع الديسي، والاعتماد المتزايد على حفر الآبار الجوفية، إضافة إلى الرهان الحكومي على مشروع الناقل الوطني للمياه باعتباره الحل الاستراتيجي الأكبر لشح المياه في المملكة.
السدود الستة عشر، ما زالت هي المؤشر الأهم على قدرة المملكة في مواجهة فصل الصيف، إذ يعتمد جزء كبير من مياه الشرب والزراعة على حجم التخزين المتحقق بعد الموسم المطري. ورغم التحسن الذي شهدته السدود -الجنوبية و الوسطى- خلال الموسم الحالي الذي يشارف على الانتهاء، إلا أن مستويات التخزين في سدود الشمال، ما تزال دون الطموحات مقارنة بالحاجة الفعلية والاستهلاك المتزايد، خاصة مع تعاقب مواسم جافة خلال السنوات الماضية.
وتتركز كميات التخزين الرئيسية في سدود مثل سد الملك طلال وسد الوحدة وسد الموجب وسد الوالة، التي تشكل مصادر مهمة لدعم مياه الشرب والقطاع الزراعي. إلا أن ارتفاع درجات الحرارة خلال الصيف يزيد من معدلات التبخر، ما يؤدي إلى فقدان جزء من المخزون المائي، ويضاعف الحاجة إلى إدارة دقيقة للكميات المتوفرة.
كما أن تراجع التخزين في بعض السدود ينعكس مباشرة على برامج التوزيع المائي، حيث تضطر وزارة المياه و الري إلى إعادة جدولة الضخ وتقنين التزويد في بعض المناطق، خاصة في المحافظات ذات الكثافة السكانية العالية.
أما مشروع جر مياه الديسي، فقد أصبح العمود الفقري للتزويد المائي في العاصمة وعدد من المحافظات، إذ يوفر كميات استراتيجية من المياه يتم ضخها يوميًا الى محافظات المملكة، وتحرص شركة مياه الاردن" مياهنا"و الشركة المشغّلة للمشروع على برمجة صيانة وقائية، قبل وبعد انتهاء الصيف لضمان استمرارية المشروع بدون عوائق قد تؤثر على عمله في اكثر اوقات العام حاجة للمياه، إذ أن أي خلل فني أو إنخفاض في كميات الضخ ينعكس مباشرة على برامج التوزيع.
وفي موازاة ذلك، تلجأ وزارة المياه و الري إلى حفر آبار جوفية جديدة لمواجهة الارتفاع الموسمي في الطلب، وهي خطوة تعكس الحاجة الملحة لتعزيز الإمدادات السريعة.
وهنا، يبرز مشروع الناقل الوطني لتحلية ونقل المياه بوصفه المشروع الأهم الذي تعول عليه الدولة لإحداث تحول جذري في قطاع المياه خلال السنوات المقبلة، لتوفير مئات الملايين من الأمتار المكعبة سنويًا، ما يخفف الضغط عن المياه الجوفية والسدود والديسي.
ويُنظر إلى الناقل الوطني باعتباره مشروع أمن مائي استراتيجي، خصوصًا مع توقعات استمرار تراجع حصة الفرد من المياه وازدياد تأثيرات التغير المناخي. كما أن المشروع سيساعد، في حال إنجازه وفق الخطط المعلنة، على تحسين انتظام التزويد المائي وتقليل عدد المناطق التي تعاني من الانقطاعات الطويلة أو ضعف الضخ خلال الصيف.
التحديات المائية لجهة المصادر ستكون موجودة هذا الصيف، وتحاول وزارة المياه و الري احتواء هذه التحديات عبر تشغيل مصادر جديدة، وتحسين برامج الضخ، وتكثيف أعمال الصيانة، إضافة إلى تشديد الرقابة على الاعتداءات على الشبكات وتقليل الفاقد المائي الذي ما يزال يشكل أحد أكبر التحديات أمام القطاع.
من هنا، فإن تصريحات وزير المياه و الري أبو السعود لا تعكس مجرد توجيهات إدارية مرتبطة بالصيف، بل تشير إلى معادلة مائية معقدة تحاول الدولة إدارتها بين محدودية الموارد وارتفاع الطلب.
إذ أن نجاح خطة الصيف لا يعتمد فقط على الجداول والبرامج الفنية، وإنما على قدرة المواطن أولا على ترشيد استخدام المياه، و ثانيا قدرة قطاع المياه على استثمار كل قطرة مياه مخزنة في السدود، والحفاظ على استدامة الديسي، وإدارة المياه الجوفية بحذر، بالتوازي مع تسريع تنفيذ الناقل الوطني، الذي قد يمثل نقطة التحول الأبرز في مستقبل الأمن المائي.



