في زمن أصبحت فيه منصات التواصل الاجتماعي ساحة مفتوحة لكل شيء، من النقاشات الوطنية الجادة، إلى التراشق والاصطفاف والتحريض، تبرز الحاجة إلى خطاب رسمي واضح يعيد ضبط البوصلة ويضع الحدود بين حرية التعبير وبين الانزلاق إلى خطاب الكراهية.
من هنا جاء تصريح الناطق باسم الحكومة وزير الاتصال الحكومي محمد المومني لافتا في توقيته ومعناه حين قال: "الأردني هو أردني بغض النظر عن اسمه الأخير"، مؤكدا أن خطاب الكراهية مرفوض.
هذه العبارة التي تصلح لكل زمان، ليست شعارا للاستهلاك الإعلامي، ولا رسالة موجهة ضد فئة أو مكون اجتماعي، بل هي تأكيد لمبدأ تأسيسي قامت عليه الدولة الأردنية منذ نشأتها بأن المواطنة هي أساس الانتماء، والهوية الأردنية هي المظلة التي تجمع الجميع.
والأهم أن هذا التصريح لا ينبغي أن يفهم أو يسوق على أنه موقف ضد العشائر أو العشائرية، فالعشائر في الأردن ليست حالة هامشية أو تفصيلية، بل هي جزء أصيل من تاريخ الدولة والمجتمع، وشريك رئيسي في بناء الأردن الحديث، وحاضنة اجتماعية لعبت دورا وطنيا كبيرا في تثبيت الاستقرار والدفاع عن الوطن وتعزيز قيم النخوة والكرامة.
لكن الفرق كبير بين الاعتزاز بالعشيرة كهوية اجتماعية محترمة، وبين تحويلها إلى أداة تصنيف وإقصاء، فالعشائرية التي تعني التضامن الاجتماعي والامتداد التاريخي شيء، أما العشائرية التي تتحول إلى منصة للتنمر أو التخوين أو احتكار الوطنية فهي شيء آخر تماما، وهنا يصبح تصريح المومني ضروريا لأن الوطنية ليست ملكا لأحد، وليست امتيازا يمنحه اسم أو لقب أو جهة.
إن أخطر ما يواجه المجتمعات ليس الخلاف السياسي أو تباين الآراء، بل أن يتحول هذا الخلاف إلى استهداف اجتماعي على أساس الأسماء والأصول والمناطق، وأن يصبح "الاسم الأخير" بطاقة عبور أو أداة إقصاء.. عند هذه النقطة لا يكون الخلاف خلافا في الرأي، بل يصبح شقا في الجدار الوطني.
خطاب الكراهية لا يولد فجأة، بل يبدأ بتلميح ثم يتطور إلى سخرية، ثم يتحول إلى إساءة، ثم يصبح عادة اجتماعية، ثم ينتهي إلى فتنة، وهذا النوع من الانحدار لا يضر فردا بعينه، بل يهدد المجتمع كله، ويضعف الثقة بين المواطنين، ويمنح خصوم الدولة فرصة اللعب على التناقضات الداخلية.
ولعل الإنصاف يقتضي أن أقول إنني، رغم أنني أعرف الوزير محمد المومني بحكم صداقة وزمالة دراسة قديمة، إلا أنني أكتب اليوم للمرة الأولى دفاعا واضحا عن تصريح رسمي له، ليس بدافع علاقة شخصية، بل لأن ما قاله يعبر عن جوهر الدولة الأردنية بأن الانتماء لا يقاس بالأسماء، ولا يختصر بالألقاب، ولا يمنح بقرار اجتماعي، بل هو حق وواجب في آن واحد، يقوم على المواطنة والعمل والالتزام بالقانون.
إن الدفاع عن هذا التصريح ليس دفاعا عن شخص، بل دفاع عن فكرة وطن، وطن لا يبنى بتقسيم الناس ولا بتصنيفهم، ولا بتوزيع الوطنية عليهم وفق المزاج العام أو التعليقات الإلكترونية.
الأردن أكبر من كل ذلك وأعمق من أن يتحول إلى نقاش حول "من هو الأردني الأكثر أردنية".
نعم، للعشائر مكانتها، وهي قيمة وطنية واجتماعية، لكن قيمتها الحقيقية تكمن في كونها رافعة للوحدة لا سببا للفرقة، وركنا للاستقرار لا منصة للتحريض، وما قاله المومني لا ينتقص من العشائر، بل يحميها ويحمي المجتمع معها، لأن الدولة التي تحترم جميع مواطنيها بالتساوي هي الدولة التي تصون الجميع دون استثناء.
نحن لا نحتاج إلى مزيد من الاصطفاف، بل إلى مزيد من العقل، لا نحتاج إلى تقسيم المجتمع، بل إلى ترميم الثقة، ولا نحتاج إلى البحث عن الأردني في اسمه الأخير، لأن الأردني يعرف في موقفه وفي احترامه للقانون، وفي إخلاصه لوطنه، ولهذا فإن العبارة التي قالها المومني يجب أن تتحول إلى قاعدة عامة في الوعي الوطني: "الأردني هو أردني… بغض النظر عن اسمه الأخير"، لا ضد العشائر بل ضد الكراهية، لا ضد التنوع بل ضد الفتنة، ولا ضد أحد… بل مع الأردن.



