حققت سناي تاكايتشي، أول امرأة تتولى منصب رئيسة الوزراء في اليابان، فوزاً تاريخياً في انتخابات يوم الأحد، بعد أن حصد حزبها، الحزب الليبرالي الديمقراطي، أكثر من ثلثي مقاعد مجلس النواب.
وتظهر أرقام هيئة الإذاعة والتلفزيون اليابانية، أن الائتلاف الذي يقوده الحزب الليبرالي الديمقراطي بزعامة تاكايتشي، قد فاز بـ 352 مقعداً من أصل 465 في مجلس النواب الياباني.
وحصل الحزب الليبرالي الديمقراطي وحده على 316 مقعداً، ما يمثل 68 في المئة من المقاعد، وهذه هي المرة الأولى التي يحقق فيها حزب واحد أغلبية الثلثين في المجلس، في أفضل نتيجة يحققها حزب في اليابان ما بعد الحرب، منذ تأسيس البرلمان بشكله الحالي عام 1947.
ووصفت العديد من وسائل الإعلام اليابانية هذا الفوز بأنه "انتصار تاريخي".
وفي أعقاب فوزها الساحق، صرحت تاكايتشي في بيان لها بأنها مستعدة الآن للمضي قُدماً في سياسات تهدف إلى جعل اليابان قوية ومزدهرة، مؤكدة أنها ستسعى لكسب تأييد المعارضة مع مواصلة تحقيق أهدافها السياسية بحزم.
وصرّحت تاكايتشي للصحفيين، الأحد، بأنها لن تُجري تعديلاً وزارياً على الحكومة التي شُكّلت قبل أقل من أربعة أشهر، والتي وصفتها بأنها "فريق جيد".
وكانت تاكايتشي تسعى إلى الحصول على تفويض شعبي واضح من خلال الدعوة إلى الانتخابات بعد أربعة أشهر فقط من توليها زعامة الحزب. وقالت خلال إحدى حملتها: "هدفي هو أن أصبح المرأة الحديدية"، متعهدة بالاستقالة إذا فشل حزبها في الحصول على الأغلبية، فيما وصفه البعض بالمقامرة الكبيرة.
ويمنح هذا الفوز تاكايتشي مجالاً واسعاً لتنفيذ أجندتها المحافظة، التي وعدت بزيادة الإنفاق العسكري، وتشديد قوانين الهجرة، وتعديل الدستور الياباني السلمي.
وقال شوكي أوموري، المحلل في شركة ميزوهو للأوراق المالية، إن فوز الحزب الليبرالي الديمقراطي يمنح اليابان "درجة عالية" من الاستقرار السياسي، ويمنح الحزب السيطرة التشريعية الكاملة، ويمهد الطريق لصنع سياسات أكثر حسماً، ما يقلل من مخاطر القيود السياسية.
وهنأ قادة العالم تاكايتشي، وتمنى لها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب "نجاحاً عظيماً في تمرير أجندتها المحافظة القائمة على السلام من خلال القوة" في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، وذلك بعد أن وصف قرارها بالدعوة إلى انتخابات مبكرة بأنه "جريء وحكيم".
وشكرت تاكايتشي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على "كلماته الدافئة".
وكتبت على منصة إكس: "أتطلع إلى زيارة البيت الأبيض هذا الربيع، وإلى مواصلة العمل معاً لتعزيز التحالف الياباني الأمريكي" الذي وصفته بأنه مبني على "ثقة راسخة وتعاون وثيق وقوي".
وكان وزير الخزانة الأمريكي، سكوت بيسنت، قد أشاد بالفعل بـ"النصر الكبير" لتاكايتشي، بقوله إنه "عندما تكون اليابان قوية، تكون الولايات المتحدة قوية في آسيا".
كما هنأ رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، تاكايتشي على النتيجة "التاريخية"، وقال إنه واثق من أن صداقة الهند واليابان يمكن أن ترتقي إلى "آفاق أوسع".
شعبية قلبت الموازين
ويناقض هذا النجاح الواضح ما حصل مع سلَفيْها، حيث فقد الحزب في عهدهما أغلبيته البرلمانية بسبب فضائح فساد وارتفاع تكاليف المعيشة.
فقد خسر الحزب الليبرالي الديمقراطي أغلبيته في مجلسي البرلمان عام 2024، وانهار تحالفه الذي دام عقوداً مع حزب كوميتو.
ويبدو أن شعبية تاكايتشي الشخصية ساعدت الحزب، إذ تجاوزت نسبة تأييد حكومتها 70 في المئة، في أغلب الأحيان.
وواجهت تاكاييتشي والحزب الديمقراطي الليبرالي هذه المرة معارضة أكثر ترابطاً وقوة، بعدما انضم حزب كوميتو، الشريك السابق في الائتلاف، إلى الحزب الدستوري الديمقراطي الياباني لتشكيل أكبر تكتل معارض في مجلس النواب، لكنه مُني بهزيمة نكراء في الانتخابات.
وسعت تاكايتشي إلى تشديد نظام الهجرة، ومراجعة القوانين المتعلقة بملكية الأجانب للأراضي اليابانية، ومعالجة أي حالات تهرب للأجانب من دفع الضرائب والتأمين الصحي، لكن في بلد لا تتجاوز فيه نسبة الأجانب 3 في المئة من السكان، اتهمها منتقدوها بإثارة القلق والانقسام.
ويشكك المنتقدون، بمن فيهم رجال أعمال، في أن تعهدها بزيادة الإنفاق وخفض الضرائب قادر على إنعاش الاقتصاد الياباني البطيء. ويُعد الدين الحكومي في البلاد بالفعل من الأعلى بين الدول المتقدمة.
كما توترت العلاقات مع الصين، أكبر شريك تجاري لليابان، بعد أن أشارت تاكايتشي في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي إلى إمكان تدخل اليابان عسكرياً إذا غزت الصين تايوان.
وفي أول رد فعل صيني بعد الانتخابات، أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، لين جيان، أن سياسة الصين تجاه اليابان لن تتغير بسبب انتخابات معينة.
وحثت الصين رئيسة وزراء اليابان على سحب تصريحاتها بشأن تايوان، حسبما صرح جيان خلال مؤتمر صحفي دوري عُقد يوم الاثنين.
ونقلت صحيفة "غلوبال تايمز" عن لو هاو، الخبير في معهد الدراسات اليابانية التابع للأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية، قوله إن "عملية إعادة التسلح في اليابان ستتسارع" بعد الانتخابات، وهي كانت "متقدمة بنشاط" بالفعل في عهد حكومة تاكايتشي.
"هذه الانتخابات أكثر أهمية للجيل الشاب"
تواصلت تاكايتشي مع الناخبين الشباب بطريقة لم يسبق لها مثيل في تاريخ الزعماء اليابانيين، حتى أن حقائب يدها وأقلامها الوردية أصبحت من رموز العصر.
وعزز شعارها "العمل، العمل، العمل" صورة الزعيمة النشطة التي لا تعرف الكلل.
وساهم حضورها على وسائل التواصل الاجتماعي في جذب متابعين جدد، لاسيما بين الناخبين الشباب. فهي تنشر بانتظام مقاطع فيديو من حياتها اليومية وأنشطتها السياسية، ومن بين المقاطع العديدة التي انتشرت على نطاق واسع مقطع فيديو لها وهي تعزف على الطبول مع الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ.
ويبدو أن حماسها ووعودها الشعبوية بالإنفاق، وخطابها القومي قد حفّز الناخبين.
وقال دانيال هاياما، أحد الناخبين: "أعتقد أن هذه الانتخابات أكثر أهمية للجيل الشاب، ولمن هم مثلنا"، لافتاً إلى أن برودة الطقس لم تكن عائقاً أمام الشباب الراغبين في الإدلاء بأصواتهم.
وتحدى اليابانيون في جميع أنحاء البلاد، الثلوج للإدلاء بأصواتهم في أول انتخابات تُجرى في منتصف الشتاء منذ 36 عاماً.
وكانت وزارة النقل، قد أغلقت 37 خطاً للقطارات و58 خطاً للعبّارات، وألغت 54 رحلة جوية حتى صباح الأحد. وشهدت طوكيو تساقطاً نادراً للثلوج، في وقت توجه الناس إلى مراكز الاقتراع.
وقالت ريتسوكو نينوميا، وهي ناخبة في طوكيو، لبي بي سي: "يريد الناس حياة أفضل وأكثر راحة؛ لأننا اعتدنا على عدم وجود تضخم (ارتفاع في الأسعار)... لذا فإنهم قلقون جداً. أعتقد أننا بحاجة إلى حلول طويلة الأجل بدلاً من الحلول المؤقتة".
ومع ذلك، فإن موقف تاكايتشي المتشدد تجاه الدفاع يُقلق هاروكا، وهي ناخبة في الثلاثينيات من عمرها، حيث قالت: "أخشى أن يُنفقوا الأموال على أشياء مثل الأسلحة النووية أو استخدام القوات العسكرية. ربما نتجه نحو مستقبل لا نملك فيه خياراً سوى الانخراط في نوع من الصراع".



