أظهرت دراسة أجريت عام 2022، قارنت اختبارات سمات الشخصية في 22 دولة، أن الأشخاص الذين يعيشون في مجموعة من الدول ذات الثقافات التي تُولي أهمية كبيرة للانضباط الذاتي - مثل ألبانيا والهند وألمانيا وفرنسا وهونغ كونغ والصين - سجلوا درجات أعلى في مقاييس الالتزام والتنظيم.

في المقابل، أظهرت الدول ذات الثقافات الأكثر مساواة ومرونة وفردية - مثل كندا ونيوزيلندا وجنوب إفريقيا وأستراليا والمملكة المتحدة وأيرلندا والنرويج والفلبين - مستويات أعلى من التوافق والانفتاح على التجارب.

كما لاحظ الباحثون مؤخراً أن الثقافات الغربية تميل إلى التمسك بالقيم الثابتة، حيث تنظر إلى الذات كشيء ثابت لا يتغير، كالنصب التذكاري، كما يقول فيغنولز.

في المقابل، تنظُر الثقافات المرنة، الشائعة في دول شرق آسيا، إلى الذات على أنها أكثر قابلية للتغيير.

ومن الاختلافات الثقافية الأخرى مدى إدراك الناس للسياق. في إحدى الدراسات، طُلب من المشاركين وصف سلسلة من المشاهد تحت الماء، ووجد أن المشاركين الغربيين ركزوا أكثر على العناصر الفردية، بينما ركز المشاركون اليابانيون على السياق الأوسع، مثل لون الماء المحيط أو كيفية ارتباط العناصر المختلفة ببعضها.

يقول فيغنولز: "هناك بعض الأدلة على أن الناس في الثقافات الغربية، وخاصة ثقافة أمريكا الشمالية، يميلون أكثر إلى عزو هذا السلوك إلى سمات الشخص نفسه بدلاً من ربطه بالموقف".

ويضيف فيغنولز أنه في غرفة انتظار طبيب الأسنان، يميل الغربي إلى تفسير الشخص الذي يبدو قلقًا على أنه قلق بشكل عام، وليس مجرد قلقه من خلع أسنانه في ذلك السياق.

 

مع ذلك، يؤكد على ضرورة التعامل مع هذه النتائج بحذر، إذ يصعب للغاية فصل السلوك والشخصية والثقافة والعديد من العوامل الأخرى المؤثرة في هذا المجال، ولا يزال هناك الكثير من الأبحاث التي يتعين إجراؤها في هذا المجال.

على سبيل المثال، تشير مجموعة متزايدة من الدراسات إلى أن النظرة الثنائية بين الشرق والغرب للفردية مقابل الجماعية "مبسطة للغاية"، كما يقول فيغنولز، وأن الجماعية التي تظهر في العديد من هذه الاختبارات هي على الأرجح سمة من سمات التنمية الاقتصادية أكثر من كونها سمة ثقافية.

علاوةً على ذلك، قد تغفل قياسات الفردية في بلد ما اختلافات مهمة بين مجموعات أو أفراد محددين في ذلك البلد. كما أن الكثير من الدراسات في هذا المجال تعتمد على إجابات ذاتية من الأفراد، وهي ليست دقيقة دائمًا، بدلًا من الاختبارات المعيارية الموضوعية.

 

رؤية الفلسفة للمعضِلة

لعلّ السؤال حول ما إذا كنا سنبقى الشخص نفسه في ثقافة مختلفة هو في جوهره سؤال فلسفي، سؤال يُشكّك في مفهوم الذات.

كشف استطلاع رأي أُجري عام 2020 عبر الإنترنت بين فلاسفة ناطقين بالإنجليزية أن 19 في المئة منهم يؤيدون الرأي القائل بأن كل فرد كائن حيّ مُحدد، ناتج عن حيوان منوي وبويضة مُحددين، وأن أفكاره ومشاعره وذكرياته ليست هي ما تُشكّل هويته. ويوضح فيليب جوف، الفيلسوف بجامعة دورهام: "بحسب هذا الرأي، حتى لو مُحيت ذكرياتك، ستظل الشخص نفسه".

وبالمثل، أيّد نحو 14 في المئة من المشاركين نظرياتٍ تُشير إلى أن الذات ليست بيولوجية، بل مُتجسّدة في شيءٍ أشبه بالروح، وأن هذا ما يُشكّل هويتنا، بغض النظر عن المكان الذي نشأنا فيه.

في الواقع، تُظهر الدراسات أن الكثيرين يعتقدون أن لديهم "ذاتاً حقيقيةً" ذات جوهر أخلاقي جيد، وأن هذه الذات لا تتغير تبعاً لموقعهم الجغرافي.

 

لكن فلاسفة آخرين يرون أن البيئة المحيطة تُشكّل أيضاً الهوية الأساسية للفرد - وهي نظرية تُعرف بـ "البنائية الاجتماعية"، وهي نظرية، طوّرها بشكل أساسي ليف فيجوتسكي، تؤكد أن المعرفة تُبنى من خلال التفاعل الاجتماعي واللغة والسياق الثقافي، حيث يشكِّل الأفراد فهمهم للواقع بالتعاون مع الآخرين.

يبدو أن للسياسة دوراً أيضاً. في إحدى التجارب، طلب الباحثون من أشخاص ذوي آراء سياسية مختلفة تقييم أخلاق رجل مسيحي ينجذب إلى رجال آخرين.

اعتقد من يُعرّفون أنفسهم كليبراليين أن الرجل يتصرف وفقًا لذاته الحقيقية، بينما اعتقد من يُعرّفون أنفسهم كمحافظين أنه يُخالف المسيحية الحقيقية.

يعتقد غوف نفسه أن هناك نوعًا من "الوحدة الأساسية" للخلايا والجسيمات، وأن الوعي متأصل في هذا التركيب، وهو ما يُشكّل هويتنا بغض النظر عن مكان نشأتنا. لكن من المرجح أن يتغير هذا مع مرور الوقت كلما نضجنا وتطورنا.

يقول غوف: "هذه مجرد مفاهيم بشرية لماهية 'الشخص' أو مفهوم 'الأنا'".

ويضيف أنه من غير المرجح وجود إجابة قاطعة حول ما إذا كان "ذلك الشخص في ظروف مختلفة تمامًا سيكون أنا أم لا".

بالنسبة للأشخاص الذين نشأوا في أكثر من ثقافة، يصعب التخلص من الشعور بأن الإنسان نتاج بيئته الاجتماعية إلى حد كبير.

وبينما يصعب معرفة من كنت سأصبح بالضبط لو قضيت حياتي كلها في تلك القرية على مشارف كلكتا، فأنا متأكد تماماً من وجود دلائل على ذلك.