خبرني - كتب أ.د. بسام الشخريت:
لنبدأ بالسؤال الذي يخشاه الكثيرون ويَتجنَّبون طرحه صراحة:
هل يُعلِّم نظامنا التعليمي أبناءنا كيف يفكرون، أم كيف يحفظون؟
الإجابة تتجاوز مجرد نقد امتحان أو مقرر دراسي؛ فهي نقدٌ لمنظومة كاملة ترسَّخت فيها ثقافة التعليم التي تقدس التكرار وتهمّش الفهم العميق والتطبيق الواقعي.
• التوجيهي: نتيجةً أكثر من كونه سبباً
يتسرع كثيرون في تحميل امتحان الثانوية العامة وحده المسؤولية، لكنه في الحقيقة مجرد انعكاس لمرض عميق في جوهر التعليم الأردني. فالمَدرسة تُعلِّم الطالب قاعدة واحدة:
احفظ لتنجح… وتجنّب الخطأ لتتفوق.
هذه العقلية تُرسَّخ منذ الصفوف الأولى: في العلوم يُطلب حفظ المعادلات بلا فهمٍ لطريقة تطبيقها، وفي اللغة العربية يُقيَّم الطالب على تكرار النصوص دون تحليلٍ أو ربطٍ بالممارسة الحياتية.
النظام لا يسأل: ما قيمة المعرفة؟ بل يكتفي بسؤال: هل استُرجِعَت بأمان؟
• الطالب “المتفوق”… تعريفٌ يحتاج إلى إعادة نظر
غالباً ما يُصنَّف الطالب المتفوق على أنه هادئ، مطيع، ودقيق في التكرار. أما المبدع أو المتسائل؟ فغالباً ما يُنظر إليه كمن “يعرقل النظام” أو “يضيِّع وقت الدرس”.
وهنا تكمن المفارقة: لا يُقاس تفوق الطالب بقدرته على الفهم أو الإبداع، بل بمدى تمكنه من تجنّب الخطأ أثناء الحفظ.
• الجامعة: ورشة أفكار أم مصنع للنسخ؟
يتصور البعض أن الجامعة ستصحّح ما أفسدته المَدرسة، لكن الواقع غالباً مختلف. كثير من المحاضرات قائمة على التلقين، والامتحانات تقيس القدرة على التذكر لا التحليل، والأبحاث تُقيَّم على الشكل أكثر من الجوهر.
النتيجة: خريجو الجامعات يواجهون فجوة واضحة بين ما تعلموه وما يطلبه سوق العمل؛ مهارات التحليل والتطبيق ضعيفة، بينما تبقى مهارات الحفظ والتكرار قوية.
• في عصر الذكاء الاصطناعي… ما قيمة التلقين؟
نعيش في زمن تتاح فيه المعرفة بضغطة زر، حيث يمكن للذكاء الاصطناعي الشرح والتحليل والمقارنة في ثوانٍ.
السؤال المُلِحُّ: ما القيمة الحقيقية لنظام يقيس قدرة الطالب على تكرار معلومات يمكن لأي جهاز رقمي استرجاعها؟
التعليم الحقيقي يجب أن يركز على التفكير النقدي، وحل المشكلات، والإبداع، لا على مجرد تدريب الطالب على تخزين المعلومات.
• التلقين: وهم النجاح… والفشل الحقيقي
يُسوَّق التلقين كوسيلة لضبط الصف، تقليل الأسئلة، وإنتاج طلاب “مطواعين”، لكنه في الحقيقة صمام أمان زائف لنظام فاشل. فهو يحوِّل عقل الطالب إلى آلة استرجاع معلومات، بلا تفكير، بلا نقد، بلا إبداع.
العالَم اليوم لا يحتاج إلى من يحفظ الإجابات، بل إلى من يبتكر الحلول، يحلل المشكلات، ويشكّل أفكاراً جديدة. كل دقيقة تُقضى في التلقين هي دقيقةٌ تَسلِب من الطالب فرصة أن يصبح مفكراً ومنتجاً وقادراً على مواجهة تعقيدات العصر.
النظام التعليمي الذي يحتفل بالنجاح على الورق ويعاقِب الإبداع هو النظام الذي يُعِدُّنا للفشل قبل أن نبدأ.
• حقائق دولية تدعم نقد منظومة التعليم
1. أداء الأردن في اختبارات PISA يكشف فجوة تعليمية فعلية
يعد اختبار برنامج التقييم الدولي للطلبة (PISA) معياراً عالمياً يقيس مهارات الطلبة البالغين 15 عاماً في القراءة والرياضيات والعلوم، مع التركيز على التفكير النقدي وحل المشكلات، وليس الحفظ المجرد.
تشير نتائج عام 2022 إلى أن الطلبة الأردنيين يعانون ضعفاً واضحاً في التفكير الإبداعي، حيث سجلوا نحو 20 نقطة من أصل 60، مقابل متوسط 33 نقطة في دول OECD، ما يعكس قصوراً حقيقياً في مهارات التفكير المتقدم.
وفي مؤشر أكثر وضوحاً، فإن نسبة الطلبة الأردنيين الذين وصلوا إلى أعلى مستويات الإبداع (المستويين 5 و6) لم تتجاوز 6%، مقابل 27% كمتوسط في دول OECD، بينما معظم الطلاب لا يحققون المستوى الأساسي المطلوب لتطوير الإبداع.
2. ترتيب الأردن منخفض عالمياً ويبرز تحديات تعليمية جسيمة
أظهرت إحصائيات PISA 2022 أن الأردن احتل المركز 75 من أصل 81 دولة في المجالات الأساسية: القراءة، الرياضيات، والعلوم، مسجلاً تراجعاً ملحوظاً مقارنة بالدورات السابقة، ما يكشف عن تحديات حقيقية في مهارات الفهم والتحليل.
فعلى سبيل المثال، في القراءة، متوسط نقاط الطلبة الأردنيين أقل بكثير من المتوسط العالمي، مما يعكس ضعفاً واضحاً في قدرتهم على استيعاب النصوص وفهمها وتحليلها.
3. الفجوة بين الحفظ والفهم تؤدي إلى ضعف ملحوظ في المهارات الأساسية
يركز اختبار PISA على قدرة الطلاب على تطبيق المعرفة في سياقات جديدة، وليس مجرد استرجاع المعلومات المحفوظة. وتشير النتائج إلى أن الأسئلة التي تتطلب تفكيراً نقدياً وحل المشكلات كانت الأصعب على الطلبة الأردنيين، ما يبرز أن النظام التعليمي ما زال يركز على الحفظ التقليدي على حساب الفهم العميق والتطبيق العملي، مما يعيق تطوير المهارات الأساسية الضرورية للنجاح الأكاديمي والمستقبلي.
لماذا يُعد PISA مهماً؟
اختبارات مثل PISA لا تركز على عدد النقاط فقط، بل تقيس مدى استعداد أنظمة التعليم لإعداد جيل قادر على التفكير النقدي والابتكار والمساهمة الفعّالة في الاقتصاد المعاصر.
ضعف النتائج لا يعني أن الطلبة غير قادرين على التعلم أو الإنجاز، بل يشير إلى أن النظام التعليمي الحالي لا يحفِّز الكفاءات العليا في التفكير وحل المشكلات—وهي المهارات الأساسية التي تحتاجها الدول لضمان مستقبل اقتصادي ومعرفي مستدام.
• ماذا يحتاج الأردن فعلياً؟
الأردن بحاجة إلى إعادة هيكلة ثقافة التعليم نفسها، وليس مجرد تعزيز الحفظ والتلقين. ويتطلب ذلك اعتماد عدة محاور أساسية:
1. امتحانات تقيس الفهم الحقيقي: تصميم أسئلة تسمح بالإبداع والتفسير، بدلاً من التركيز على الحفظ فقط.
2. دور جديد للمعلم: الانتقال من كونه ناقلاً للمعلومة إلى ميسِّر للحوار والتفكير، يشجع التساؤل والنقد البناء لدى الطلاب.
3. التعلم النشط: اعتماد مشاريع جماعية، محاكاة واقعية، وأنشطة تطبيقية تُخرج الطالب من دائرة الحفظ إلى عالم الابتكار والتجربة العملية.
4. التكنولوجيا الذكية: توظيف أدوات مثل الذكاء الاصطناعي لتعزيز التفكير النقدي وحل المشكلات، لا لاستبدال دور الطالب أو المعلم.
5. تقييم مستمر وفعّال: قياس مهارات التحليل والإبداع وربط النتائج بتقارير تطويرية لتحسين المناهج بشكل مستمر.
يمكن تعزيز هذا التحليل بمقارنة الأردن مع دول عربية أو دول ذات أنظمة تعليمية إصلاحية ناجحة مثل فنلندا وسنغافورة، حيث أثبتت تغييرات المناهج وأساليب التدريس أثرها الإيجابي في رفع جودة مخرجات التعليم وتهيئة الطلاب لمتطلبات المستقبل.
• الخاتمة
إذا استمر نظامنا التعليمي في التركيز على الحفظ بدلاً من الفهم العميق والتطبيق، فسيصبح التعليم مجرد تكيّف مع واقع محدود لا يليق بمستقبل أبنائنا.
السؤال الجوهري لم يعد: كم حفظ الطلاب؟
بل أصبح: كيف يفكرون؟ كيف يبدعون؟ وكيف يساهمون في تغيير العالم؟



