في زمنٍ عربيٍّ مثقلٍ بالتحولات العاصفة، ومشهدٍ إقليميٍّ تتقاطع فيه الأزمات والصراعات، يبرز الأردن بوصفه حالةً سياسيةً متماسكة، استطاعت أن تصون استقرارها وتحافظ على توازنها، مستندةً إلى منظومةٍ راسخة من القيم والشرعيات والعلاقات الوطنية العميقة. ويتجلى هذا المعنى بأوضح صوره في يوم الوفاء والبيعة، الذي لا يُختزل في كونه مناسبةً وطنيةً عابرة، بل يمثل تعبيرًا كثيف الدلالة عن فلسفة الحكم في الدولة الأردنية، وعن سرٍّ من أسرار ثباتها واستمراريتها.
فالوفاء، في الوجدان الأردني، ليس مجرد استذكارٍ لرحيل قائدٍ عظيم، بل هو اعترافٌ تاريخيٌّ بمسيرةٍ استثنائية قادها المغفور له بإذن الله الملك الحسين بن طلال، طيب الله ثراه، الذي شكّل حجر الأساس للدولة الأردنية الحديثة. وعلى امتداد سبعةٍ وأربعين عامًا، قاد الحسين الباني مشروع الدولة بحكمةٍ وبعد نظر، فصان استقلال القرار الوطني، ورسّخ نهج الاعتدال، وأدار التحديات الإقليمية بعقل الدولة لا بانفعال اللحظة، فكان رمزًا للوحدة الوطنية، وضمانةً للاستقرار في محيطٍ مضطرب.
ومن رحم هذا الإرث التاريخي، تتجدد البيعة لجلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، لا باعتبارها تقليدًا سياسيًا، بل عقدًا وطنيًا متبادلًا، قوامه الثقة والمسؤولية والشراكة. لقد تسلّم جلالته الأمانة في مرحلةٍ دقيقة من تاريخ المنطقة، فاختار نهج الإصلاح المتدرج، والتحديث المتوازن، واضعًا الإنسان الأردني في قلب العملية التنموية، ومؤمنًا بأن الدولة القوية تُبنى بالمؤسسات، ويُحافظ على استقرارها بالعدل، ويُصان مستقبلها بالمشاركة الواعية.
إن ثبات النظام الأردني لم يكن نتاج ظرفٍ عابر أو معادلةٍ أمنيةٍ مؤقتة، بل ثمرة منظومة متكاملة من العوامل؛ في مقدمتها الشرعية الهاشمية ذات الجذور التاريخية والدينية، التي منحت الدولة عمقًا رمزيًا وأخلاقيًا، ورسّخت الالتفاف الشعبي حول قيادتها. ويعزز ذلك وجود مؤسسات دستورية حافظت على انتظام الحياة السياسية، وأدارت التنوع والاختلاف ضمن أطر قانونية، إلى جانب قوات مسلحة وأجهزة أمنية محترفة شكّلت درع الوطن وحصنه المنيع.
وعلى الصعيد الخارجي، انتهج الأردن سياسةً متوازنة قائمة على الاعتدال والحكمة، فكان صوتًا للعقل في محيطٍ تتنازع فيه المصالح، وشريكًا موثوقًا على الساحة الدولية، ومدافعًا ثابتًا عن قضايا الأمتين العربية والإسلامية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، انطلاقًا من مسؤولية تاريخية لم تتخلَّ عنها القيادة الهاشمية يومًا.
وفي هذا السياق، يغدو يوم الوفاء والبيعة تعبيرًا مكثفًا عن معنى الاستمرارية في الدولة الأردنية؛ استمرارية تقوم على حفظ الإرث، وتجديد المشروع الوطني، وتكامل الأدوار بين القيادة والمؤسسات والشعب. وهو يوم يؤكد أن العلاقة بين الأردنيين وقيادتهم ليست علاقة سلطةٍ ومجتمع فحسب، بل شراكة وطنية تتجدد بالعهد، وتتعمق بالفعل، وتُختبر بالقدرة على مواجهة التحديات.
وهكذا، يواصل الأردن مسيرته بثقةٍ راسخة، مستندًا إلى تاريخٍ مشرف، وقيادةٍ واعية، وشعبٍ يدرك أن الوفاء للماضي لا يكتمل إلا بالعمل من أجل المستقبل، وأن البيعة الحقة ليست شعارًا يُرفع، بل التزامٌ دائم ببناء وطنٍ قوي، آمن، ومستقر وقادر على الثبات مهما اشتدت الرياح والاعاصير والتحديات والأزمات من حولنا ..



