إن دم الشهيد جواد الاردني لم يكن حدثا عابرا، ولا خبرا يمر في نشرات الأخبار.
لقد كان فاتحة لحرب يجب أن نخوضها جميعا، حرب على الفكر المتطرف بجميع أشكاله، لا بالسلاح وحده، بل بالفكر السليم.
فالفكر المتطرف والمنحرف لا يواجه إلا بالفكر السليم.
تلك حقيقة يهرب منها كثيرون، ويتغافل عنها آخرون، مع أنها أصل القضية وأساسها.
فالتطرف ليس سلاحا فحسب، ولا جريمة فحسب، ولا منشورا عابرا على مواقع التواصل فحسب.
التطرف في جوهره فكر، والفكر لا تهزمه الصرخات، ولا يقمعه المنع والسجن، ولا يمحو أثره التجاهل، ولا تسقطه السخرية.
إنما يهزمه فكر أقوى منه حجّة، وأصدق منه برهانا، وأثبت منه قدما.
ومن ظن أن التطرف يزول بالمنع والسجن فقد وهم.
فالمنع والسجن قد يلجمان اللسان، ولكنهما لا يعالجان العقل.
والتجاهل قد يمنحنا راحة عابرة، ولكنه يترك الحقل خاويا لتنبت فيه بذور السم.
أما الفكر السليم، فهو وحده الذي ينفذ إلى العقل، فيقتلع الفكرة الفاسدة من جذورها، ويزرع مكانها الحق واليقين.
وأما الفكر الإرهابي المتطرف، فهو أخطر ضروب الانحراف، إذ يحيل الإنسان إلى أداة قتل، ويوهمه أن سفك دماء الأبرياء عبادة، وأن خراب الأوطان جهاد، وأن إراقة الدماء سبيل إلى الجنة.
وهذا الفكر لا يواجه بالسلاح وحده، فالسلاح يقتل حامل الفكرة، والفكرة تبقى حية تنتقل إلى غيره.
ولا بد من فكر سليم يكشف زيفه، ويبين أن الإسلام بريء منه، وأن الدم حرام، وأن قتل نفس واحدة كقتل الناس جميعا، وأن من يقتل باسم الدين هو أول من يهدم الدين.
الفكر السليم يقول للشاب: دينك ليس قتلا، دينك رحمة.
وطنك ليس ساحة حرب، وطنك أمانة.
وعقلك ليس سلعة تؤجر، بل نور تبحث به عن الحق.
وفي الطرف الآخر، تطرف لا يقل خطرا، وإن تقنع بقناع التنوير والحداثة.
أولئك الذين يدعون التنويرية والعلمانية، وهم في حقيقتهم متطرفون في بغضهم للدين، متطرفون في حربهم على القيم، متطرفون في سعيهم لإلغاء الآخر وفرض فكرهم على مجتمع بأسره.
يحاربون دور العبادة والقرآن والتعليم والقيم والعادات والتقاليد والأعراف، ويطالبون بمنع الأذان والحجاب ومظاهر التدين، ويطعنون في الدستور، ويريدون إلغاء دين الدولة الذي خطه الأردنيون بدمائهم وتضحياتهم، ويجاهدون بالعمالة والخيانة لفرض إملاءات الخارج والصهيونية العالمية.
وهؤلاء أيضا لا يواجهون إلا بالفكر السليم.
لا نواجههم بالشتيمة، بل بالحجة.
ولا نواجههم بالمنع وحده، بل ببيان أن حريتهم المزعومة قمع لحرية غيرهم، وأن تنويرهم المزعوم ظلام يحارب النور، وأن علمانيتهم المتطرفة تطرف حقيقي يريد فرض الانحلال والمرض الفكري على مجتمع بأكمله.
الفكر السليم يفضح أنهم ليسوا دعاة حرية، بل أدوات للأنظمة الخارجية والصهيونية، غايتها تفكيك المجتمعات وإثارة الفتن والتفريق وإضعافها أمام احتلال يتوسع وينتشر.
ومدعو التنويرية وأتباع هذا الفكر الظلامي هم أنفسهم من أتباع البعث السوري.
هم الوجه الآخر للمدرسة الدموية ذاتها، التي ترفع شعارات العلمانية والاشتراكية والتنوير، وتحمل في قلبها حقدا على الدين والإنسان معا.
وحين تمكنوا من حكم سوريا من قبل، فعلوا ما لم يفعله الصهاينة من قتل وتدمير وتعذيب للأبرياء بلا رحمة ولا إنسانية.
قتلوا الأطفال بالبراميل، ودمروا المدن على رؤوس أهلها، واعتقلوا الآلاف في سجون الموت، وعذبوا الشيوخ والنساء حتى الموت، وهجروا الملايين، ودمروا المساجد والمدارس والمستشفيات، بلا رحمة ولا إنسانية.
لا دين يردعهم ولا مبدأ.
لا ضمير يمنعهم ولا قيمة توقفهم.
دينهم السلطة، ومبدأهم القتل، وتنويرهم الظلام، وإنسانيتهم الوحشية.
فمن فعل هذا كله في سوريا، أيكون صاحب فكر تنويري؟
ومن صفق للمقابر الجماعية، وبرر التعذيب، واحتفل بقتل الأبرياء، أيعلمنا الحرية؟
كلا.
هؤلاء هم القتلة أنفسهم، لكنهم بدلوا البدلة العسكرية ببدلة التنوير، وبدلوا السجن بمنشور على فيسبوك، وبدلوا البرميل المتفجر بكلمة مسمومة.
والهدف واحد: تدمير الإنسان، وتفكيك المجتمع، ومحاربة الدين.
إنهم لم يأتوا لينوروا العقول، بل ليطفئوا نورها.
ولم يأتوا ليحرروا الإنسان، بل ليستعبدوه لفكرهم الظلامي.
ومن صدق شعاراتهم، فلينظر إلى سوريا بالأمس، ليعرف من هم حقا، وماذا يفعلون حين يتمكنون.
وهم أنفسهم وأتباعهم يسعون الآن لتدمير الأردن، وبث الفرقة والفتنة، واستغلال كل حدث لبث سمومهم وأفكارهم التي يريدها العدو الخارجي.
لم يكتفوا بما فعلوه في سوريا، ولم يتعلموا من سقوطهم هناك، بل نقلوا معركتهم إلى الأردن، الوطن الآمن الذي احتضن الجميع، ووقف شامخا رغم كل العواصف.
اليوم، يتربصون بكل حدث، ويتاجرون بكل ألم، ويستغلون كل جريمة وكل مصيبة وكل خلاف، ليبثوا سمومهم، ويشعلوا الفتنة بين أبناء الوطن الواحد، ويضربوا النسيج الأردني الذي بناه الأردنيون بدمائهم وتضحياتهم.
يظهرون عند كل حادثة كأنهم حزانى على الوطن، وهم في الحقيقة فرحون بها، لأنها فرصتهم لنشر الفوضى والتشكيك والتحريض.
يبكون على قتيل في الأردن اليوم، وهم أنفسهم من صفقوا لقتل الآلاف في سوريا بالأمس.
دموعهم كاذبة، وحزنهم مصطنع، وهدفهم واحد: تدمير الأردن من الداخل.
إنهم ينفذون ما يريده العدو الخارجي حرفيا: مجتمع منقسم، وشعب متشكك، ووطن ممزق، وهوية ضائعة، حتى يسهل ابتلاعه والسيطرة عليه.
هم أدوات رخيصة في يد الخارج، يبيعون وطنهم مقابل منشور، ويبيعون دينهم مقابل إعجاب، ويبيعون دماء الأبرياء مقابل شعارات كاذبة.
لكن الأردن لن يسقط كما سقطت سوريا في أيديهم، لأن الأردنيين يعرفونهم، ويعرفون تاريخهم الدموي، ويعرفون أن من دمر سوريا لن يبني الأردن، ومن بث الفتنة هناك، لن ينشر السلام هنا.
ويجب ألا نضيق على العلماء والدعاة الأفاضل لمواجهة هؤلاء.
فالعلماء والدعاة هم خط الدفاع الأول في معركة الفكر.
هم الذين يملكون العلم والحجة والقدرة على تفكيك الشبهات، وفضح الانحراف، وتحصين الشباب بالعقيدة الصحيحة والفكر السليم.
فإذا ضيقنا عليهم، ومنعناهم من الكلام، وحاصرناهم في المساجد والمنابر، تركنا الساحة خالية للمنحرفين، وسمحنا للفكر الفاسد أن ينتشر بلا رقيب ولا مواجهة.
أما مدعو العلم والمنحرفون، فلا يقنعون أحدا بانحرافهم وتضليلهم.
كلامهم مفضوح، وحجتهم واهية، وشبهاتهم مكشوفة أمام أي عالم صادق.
هم يخافون من الحوار، ويهربون من المناظرة، لأنهم يعلمون أن نور العلم يفضح ظلامهم.
لذلك، فإن فتح المجال للعلماء والدعاة الأفاضل، ودعمهم، والاستماع إليهم، هو أقوى سلاح في مواجهة التطرف.
هم الذين يستطيعون أن يقولوا للمتطرف: أنت مخطئ بالدليل، وللمنحرف: أنت ضال بالبرهان، وللشاب الحائر: هذا هو الحق فاتبعه.
فمن أراد أن يحارب التطرف حقا، فليطلق يد العلماء، ولا يقيد ألسنة الدعاة، فالفكر لا يهزمه إلا الفكر، والشبهة لا تدفعها إلا العلم.
وذلك لأن المتطرف، سواء كان إرهابيا يحمل السلاح، أو متنورا مزيفا يحمل القلم، يعيش على الجهل وغياب الوعي.
إنه يقتات على الفراغ الفكري، وعلى سكوت العقلاء، وعلى ترك الشباب بلا تحصين.
فإذا قدمنا الفكر السليم، ملأنا هذا الفراغ.
وإذا علمنا أبناءنا دينهم الصحيح، ودستورهم، وقيمهم، وتاريخهم، حصناهم من كل تطرف.
وإذا فتحنا الحوار بالعلم والحجة، لم يبق للفكر المنحرف مكان يختبئ فيه.
الفكر السليم لا يلغي الآخر، بل يناقشه.
ولا يفرض نفسه بالقوة، بل يقنع بالحق.
ولا يحارب التدين، بل يحميه.
ولا يهدم الوطن، بل يبنيه.
الفكر المتطرف والمنحرف لا يواجه إلا بالفكر السليم.
فلنحمل جميعا مسؤولية هذه المواجهة: في البيت، وفي المدرسة، وفي الجامعة، وفي المسجد، وفي الإعلام.
لنقدم لأبنائنا فكرا يحفظ دينهم ووطنهم وهويتهم، فكرا يوحد ولا يفرق، ويبني ولا يهدم.
حمى الله الأردن والأردنيين من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وحمى شبابه من كل فكر متطرف منحرف، وجعل الفكر السليم هو الحصن الذي لا يخترق.



