نعيش اليوم زمناً تتداخل فيه الحقائق بالشعارات، وتُستغل فيه المقدسات أحياناً لتبرير أفكار وممارسات لا تمت إلى جوهر الدين بصلة. وفي خضم هذا المشهد، تبرز خطورة الجماعات المتأسلمة التي توظف الخطاب الديني لتحقيق أهداف سياسية وأيديولوجية، وتستخدم الدين غطاءً للتكفير والإقصاء والعنف، وقد يصل الأمر ببعضها إلى الإرهاب وسفك الدماء.
فمن هم المتأسلمون؟
هم جماعات وتيارات تتخذ من الإسلام شعاراً ومرجعية معلنة، لكنها توظف النصوص الدينية وتنتقي تأويلاتها لخدمة مشاريعها السياسية والفكرية والتي تصب في مصلحة الصهيونيه العالميه، وتفرض تصوراً أحادياً للدين والمجتمع، وتلجأ بعض تنظيماتها إلى تكفير المخالفين وتبرير العنف. ومن أبرز نماذج التنظيمات الإرهابية التي تتبنى هذا الفكر: داعش والقاعدة وحراس الدين.
إن مواجهة هذه الظاهرة لا تكون بمجرد إدانة العمليات الإرهابية أو ملاحقة مرتكبيها، بل تبدأ من مواجهة جذورها الفكرية، وتفكيك خطابها، وكشف التناقض بين شعاراتها وممارساتها. كما ينبغي التمييز بين الدين الإسلامي وجماعات التطرف التي تستغله، فحماية الدين من التوظيف السياسي والتشويه مسؤولية فكرية ومجتمعية.
أولاً: نحو مرجعية إسلامية تنويرية
نحن بحاجة إلى حملة تنويرية إسلامية منظمة تقودها المؤسسات العلمية والدينية المعتبرة، وفي مقدمتها مجمع الفقه الإسلامي الدولي ورابطة العالم الإسلامي، إلى جانب المؤسسات الدينية الوطنية والجامعات ومراكز الفكر.
حملة لا تكتفي بالرد على خطاب التطرف، بل تقدم خطاباً إسلامياً معاصراً يؤصل للاعتدال، ويعزز الاجتهاد والعقلانية، ويرفض التكفير والعنف والكراهية، ويعيد الاعتبار لقيم الرحمة والعدالة واحترام الإنسان والاختلاف.
ثانياً: مراجعة المناهج الجامعية
لقد آن الأوان لإعادة التفكير في متطلبات التعليم الجامعي. فالشهادة الجامعية لا ينبغي أن تكون مجرد تأهيل مهني، بل يجب أن تكون أيضاً أداة لبناء الإنسان الواعي القادر على التفكير النقدي والتمييز بين الحقيقة والتضليل.
إننا بحاجة إلى تعزيز متطلبات جامعية في الفلسفة، والفكر الإنساني، والأديان والحضارات، والتربية المدنية، وثقافة الحوار وبناء السلام. ويمكن دراسة مقترح إضافة 30 ساعة جامعية ضمن إطار وطني مدروس، بما يضمن التوازن بين التخصص الأكاديمي وبناء الوعي الإنساني والفكري.
فليس كافياً أن نُخرّج مهندساً أو طبيباً أو محامياً؛ بل علينا أن نُخرّج إنساناً يؤمن بقيمة الحياة، ويحترم الاختلاف، ويرفض تحويل أفكاره وقناعاته إلى مبرر لإيذاء الآخرين.
ثالثاً: مراجعة التشريعات ومواجهة التطرف
نحن بحاجة إلى مراجعة التشريعات والسياسات المتعلقة بمواجهة التطرف والتحريض على العنف والإرهاب، وضمان تطبيق القانون بحزم وعدالة على كل من يهدد أمن المجتمع وسلامة أفراده.
فالتسامح مع الاختلاف حق أصيل، أما التساهل مع التحريض على القتل والإرهاب فليس تسامحاً، بل تهديد لأمن المجتمع واستقراره.
رابعاً: بناء ثقافة السلام لدى الأجيال الجديدة
علينا أن نبدأ من المدارس والجامعات ومؤسسات التنشئة الاجتماعية، وأن نعلم أبناءنا أن الاختلاف ليس عداءً، وأن الحوار ليس ضعفاً، وأن المواطنة تتقدم على الانتماءات الضيقة، وأن الدين لا يمكن أن يكون مبرراً للكراهية أو الاعتداء على الآخرين.
إن بناء السلام يبدأ من العقل، ومن الأسرة، ومن المدرسة، ومن الخطاب الديني والإعلامي المسؤول.
ختاماً..
إن معركتنا مع التطرف ليست معركة أمنية فحسب، بل هي معركة وعي وفكر وثقافة وتشريع. وهي مسؤولية مشتركة بين الدولة والمؤسسات الدينية والجامعات والمفكرين والإعلام والمجتمع المدني.
نريد مشروعاً تنويرياً يحمي الدين من الاستغلال، والعقول من التضليل، والشباب من الاستقطاب، والأوطان من الإرهاب.
رحم الله الشهيد جواد السلايطة، ورحم شهداء الأردن الذين قدموا أرواحهم دفاعاً عن الوطن وأمنه واستقراره.
سيبقى الأردن عصياً على الإرهاب، قوياً بوعيه، متماسكاً بوحدته، ومحصناً بفكره الوسطي وقيمه الوطنية والإنسانية.



