لم يكد الأردنيون يستفيقون من هول حادثة كنيسة القديس جاورجيوس في الكرك، التي ارتقى فيها تسعة شهداء أبطال، حتى فُجعوا بحادث إرهابي جديد استهدف أمن هذا الحمى واستقراره أمام السفارة السريلانكية في شارع المدينة المنورة، ليلتحق شهيد الواجب العريف جواد علي السلايطة رحمه الله بكوكبة الشهداء الأردنيين الذي سبقوه بأيام معدودة لتلك المنزلة، كما نتمنى الشفاء العاجل لرجل الأمن الأردني البطل المغوار فراس العنانزة لشهامته وشجاعته في هذا الموقف. لقد شاهد الأردنيون كافة كيف تعاملت الأجهزة الأمنية مع الارهابي المجرم بحزم مطلق، واضعة الحذاء عليه كرسالةً قاطعة لكل من تسول له نفسه العبث بأمن الأردن وهذا دليل بأن يد القانون وسيادة الدولة ستدوس كل يد تحاول تلطيخ أمن واستقرار طهر هذا الثرى.
لا يعلم الإرهابي المغسول الدماغ، الذي تحجّرت بصيرته واستسلم لظلام الأفكار الضالة، أن بفعلته الرعناء هذه لا يستهدف أرواحاً طاهرة فحسب، بل يعتدي على عصب اقتصاد بأكمله ومستقبل أجيال كاملة. فحين يرتكب جريمته العمياء، تتداعى ركائز التنمية إذ تبدأ حركة السياحة بالتراجع وتفرغ الفنادق من زوارها، ويهرب المستثمرون بحثاً عن بيئات أكثر أمناُ وأماناً لاستثماراتهم، لتتفاقم نتيجة ذلك معدلات البطالة وتضيق أفاق الفرص أمام شبابنا. ويُضاف إلى هذه الفاتورة الثقيلة تكاليف باهظة تتحملها الدولة في التتبع الأمني الحثيث، والجهود الاستباقية لكشف مخططات الخراب وإحباطها قبل أن تنال من النسيج المجتمعي. إن تكلفة الجهل المدقع والفكر المنحرف باهظة للغاية، وتكاد تساوي وطناً بأكمله لولا يقظة الضمائر وصلابة المؤسسات. ولكن بفضل الله، ثم بفضل حكمة القيادة ويقظة أجهزة أمننا الباسلة وجيشنا العربي المصطفوي، يثبت هذا الحمى في كل اختبار أنه منيع بأهله ورجاله، وأن إرادة البناء والحياة ستظل دوماً أقوى وأبقى من آلات الموت والدمار.
لا يولد الإنسان متطرفاً، بل إن الانزلاق نحو الفكر الضال يأتي نتيجة بيئة خصبة تتفاعل فيها عوامل نفسية واقتصادية واجتماعية عدة، أبرزها أزمة الهوية والبحث المحموم عن الانتماء لدى المراهقين والشباب الذين يقعون ضحية لجماعات توهمهم بأنهم جزء من مشروع عظيم، مما يمنحهم شعوراً مزيفاً بالبطولة. كما أن التهميش والبطالة وغياب فرص العمل تجعل الشاب لقمة سائغة لمن يغدق عليه الوعود الزائفة، يضاف إلى ذلك استغلال الجهل الديني عبر تزييف النصوص، وتوظيف الأحداث الإقليمية الدامية لتغذية خطابات الكراهية والانتقام خارج أطر الدولة وقوانينها. لا تعتمد التنظيمات الإرهابية الحديثة على أساليب التبرع التقليدية فحسب، بل تدير منظومة مالية معقدة ومتشعبة، فهي تتغذى على شبكات الجريمة المنظمة العابرة للحدود من تجارة مخدرات وتهريب وغسيل أموال وابتزاز رقمي. إلى جانب ذلك، تتلقى أحياناً تمويلات مشبوهة من أجندات إقليمية ودولية تستخدم الإرهاب كأداة حرب بالوكالة لزعزعة استقرار الدول المنيعة، واستغلال منصات التبرع الرقمية الوهمية والعملات المشفرة التي يصعب تتبع حركتها وإخفاء هويات داعميها.
يتطلب اكتشاف خطر التطرف في مراحله المبكرة وعياً أهلياً ومجتمعياً دقيقاً، إذ تظهر على الشاب علامات فارقة واضحة كالعزلة والانطواء المفاجئ وقطع العلاقات الاجتماعية والجلوس لساعات طوال خلف الشاشات في غرف مغلقة وعدم الصلاة مع الجماعة. كما يتسم المصاب بهذا الفكر بتبني أحكام إقصائية مطلقة وتكفيرية، وتغير جذري في السلوك وحدّة العنف غير المبرر، إلى جانب الحرص المفرط على السرية وإخفاء محتوى الأجهزة الذكية بحذر شديد عن أعين العائلة بالإضافة إلى تغيرات جسدية بنيوية عبر التمارين الرياضية التي تطلب منه. تُعد منصات الألعاب الجماعية عبر الإنترنت اليوم واحدة من أخطر ساحات التجنيد الناعم وأكثرها خفاءً، حيث يندمج المُجند متخفياً بزي صديق أو لاعب محترف- مع المراهقين عبر غرف الدردشة الصوتية لاستدراجهم بعيداً عن أعيُن الأهالي. ويبدأ الأمر بنقاشات حماسية داخل ألعاب قتالية أو استراتيجية، ليتطور إلى استخدام تطبيقات مراسلة مشفرة مستغلين تعلق المراهقين العاطفي واحتياجهم لإثبات الذات وصولاً إلى غسل الدماغ الفعلي بعيداً عن الرقابة الأسرية. وهنا يبرز التساؤل الأهم: كيف نجتث الإرهاب من جذوره؟ فلا بناء يرجى ولا سلام يوطد إن اكتفينا بقطع الأغصان وبقيت الجذور مدفونة في عمق التربة العليلة، ووحدها المؤسسات الأولى قادرة على اقتلاع تلك الأصول الشريرة من منابتها وذلك من خلال:
أولاً: الأسرة والتنشئة المبكرة
حين يولد الطفل، يأتي إلى الدنيا صفحة بيضاء لا يعرف اسماً ولا تعصباً عرقياً ولا دينياً ولا طائفياً، لكن بعض الأسر تبدأ للأسف بوضع تلك المسميات العمياء في عقله الغضّ، مما يجعله مقيداً بها طوال حياته. ولأن الأسرة هي الأساس المتين، تبدأ الخطيئة التربوية باكراً حين تُكافأ براءة الطفولة ببنادق ومسدسات بلاستيكية، لتُغرَس في وجدان الطفل الناشئ ثقافة العنف والقتل على أنها بطولة. وتكتمل هذه العتمة بترك الأطفال رهينةً لمحتويات رقمية وفضائية تعج بالعنف الممنهج دون رقابة أو توجيه، فتتفاعل أزمات الهوية والبحث العشوائي عن الانتماء مع شعور التهميش والجهل بقيم الدين الحنيف، لتنبت بيئة خصبة تسلم الشباب طائعين إلى براثن الفكر الضال. وتنقلهم من التطرف الذي لا يدينه القانون إلى الإرهاب المارق.
ثانياً: المدرسة
تُشكّل المدرسة في المجتمعات الحديثة الفضاء التفاعلي الأكثر تأثيراً في حياة الطلبة، فهي البيت الثاني الذي تلتقي فيه أطياف المجتمع الصغيرة، ليتبادل الطلاب الأفكار والسلوكيات وتُصقل فيه بوصلتهم الأخلاقية والفكرية. ولأن المدرسة هي الحصن الأول المحصن للعقول، فإن المسؤولية تقع كاملة على عاتق وزارة التربية والتعليم لتبني استراتيجيات تربوية شاملة تتجاوز حدود التلقين النظري وتتمثل في:
- مراجعة وتطوير المناهج الدراسية: عبر إعادة صياغة المحتوى التعليمي ليكون منسجماً مع روح رسالة عمان، وترسيخ قيم المواطنة الفاعلة وقبول الاخر والوسطية والاعتدال، وأنسنة العلاقة مع الآخر بدلاً من إقصائه.
- إدراج الفنون والدراما والمسرح والموسيقى في الخطة الدراسية: إنَّ الوعي والجمال هما الترياق الأول ضد التطرف، فالفنون تفرغ طاقات الشباب النفسية والوجدانية وتنمي الذائقة الإنسانية لتحميهم من الفراغ الفكري والشرذمة.
- إطلاق مسابقات إبداعية دورية: من خلال تنمية مهارات التفكير النقدي والابداعي والتعبير الحر عبر دعم المواهب في القراءة والكتابة والشعر واللغات، لبناء شخصيات واثقة قادرة على المحاجة والفهم.
- ترسيخ المواطنة كممارسة حية: أي تحويل المواطنة من نصوص صامتة إلى سلوك يومي عبر الإذاعة المدرسية والأنشطة الصفية والزيارات الميدانية المباشرة للمؤسسات الوطنية والأمنية لربط الطالب بأرضه وتاريخه ومقدرات وطنه.
ثالثاً: الجامعات
تُعد الجامعات قلاع الفكر الكبرى ومصانع القيادات الوطنية، وليست مجرد قاعات جافة للتلقين الأكاديمي وصرف الشهادات، فهي المحطة المفصلية الأخيرة التي يكتمل فيها وعي الشاب ويترسخ فيها نهجه الفكري قبل أن يخوض غمار الحياة العملية والمجتمعية. ولأن الجامعة تجمع تحت سقفها مختلف أطياف المجتمع وأبناء الوطن من شتى المنابت والأصول، فإنها تجسد البيئة النموذجية لترسيخ الهوية الوطنية وتذويب الفوارق الضيقة. لذا، يتوجب على المؤسسات الأكاديمية قاطبة تجاوز الأساليب التدريسية النمطية والتخلي عن الحفظ الروتيني لصالح إقامة منظومة مستدامة من الندوات الفكرية، والحلقات النقاشية المفتوحة والمبادرات التوعوية التي تُعلي من قيمة الحوار وتُعزز أدبيات المواطنة الحقة والتعددية. إن الغاية الأساسية تكمن في صقل شخصية الطالب وهندسة عقله ليكون ناضجاً ومحصناً بأدوات التفكير النقدي؛ عقلٍ قادر على تفكيك الأيديولوجيات الظلامية ورفض التضليل وتمييز الغث من السمين. إن الوطن بحاجة إلى أساتذة جامعيين يحملون هذا الفكر ليعدون خريجاً واثقاً لكي ما يكون سفيراً حقيقياً لثقافة التسامح والوسطية ينافس في سوق العمل الإقليمي والدولي بعلمه الغزير وكفاءته المهنية وعقله المتفتح لا بتعصبه المغلق أو تطرفه الهدام.
رابعاً: مؤسسات المجتمع المدني والصحوة الرقمية
يُمثّل الشباب المحرّك الأساسي لحيويّة الوطن وطاقته التنمويّة الكبرى، ورغم وطأة تحدّي البطالة وارتفاع نسبها، فإنّ ذلك لا ينبغي أن يكون ذريعة للاستسلام للعدمية. يقع على عاتق مؤسسات المجتمع المدني والجمعيات الأهلية واجباً وطنياً مفعماً بالمسؤولية الأخلاقية؛ يتمثل في ابتكار برامج تنموية وإنتاجية حاضنة، تفتح أمام الشباب آفاقاً للعمل المجدي وتدرّ عليهم الدخل، لتستثمر عقولهم اليانعة في مسارات البناء والتجديد بدلاً من تركهم فريسة للإحباط والهدم. وفي هذا الفضاء الافتراضي المفتوح، تتجلّى ضرورة إيجاد صحوة رقمية وإعلامية تضع حداً للاستغلال الممنهج، إذ أصبحت منصات الألعاب الإلكترونية وغرف الدردشة الصوتية الملحقة بها خنادق استقطاب ناعم وخفيّ، ينسلّ من خلالها التكفيريون والجهات المشبوهة لاستغلال شغف المراهقين وعطشهم العاطفي ونسج شباك تجنيد مظلمة بعيداً عن الرقابة الأسرية، مما يجعل التوعية الرقمية اليوم ومحطات التلفزة المرئية والمسموعة خط الدفاع الأول لحماية الأمن الفكري والأخلاقي لشبابنا.
خامساً: الوزارات ومؤسسات الدولة
إنّ الأمن الاجتماعي والاقتصادي هو الجدار الذي تتحطّم عليه كل مطامع الظلام، ومن هنا يأتي السعي المباشر لوزارات الدولة ومؤسساتها الرسمية في غرس الشباب في صلب مشاريع التنمية الوطنية ومبادرات التمكين الحقيقي. فالبناء المؤسسي المتين وتجسيد تكافؤ الفرص في التوظيف والقيادة، يشكلان الحصن الأمني الأبقى والأكثر صلابة للوطن. وحين تشرق فرص العمل الشريفة وتستقيم موازين العدالة الاجتماعية والشفافية، تجفّ المنابع النفسية والمادية التي يقتات عليها الفكر المتطرف، وتتهاوى أحلام الدعاة الظلاميين وشعاراتهم الزائفة. كما تتكبّل أيادي التمويل المشبوه التي تعتاش على شبكات الجريمة والابتزاز، ليقف وعي الشعب الأردني وحصانته المؤسسية سداً منيعاً تحسره أمواج مخططات الخراب.
سادساً: الأجهزة الأمنية والرصد المبكر
تظل أجهزتنا الأمنية وقواتنا المسلحة الباسلة العين الساهرة التي لا تنام، والدرع الحصين الذي يلاحق أوكار الإرهاب في كل مكمن، وينال من كل من تسول له نفسه العبث بركائز هذا الحمى. ولا يقتصر هذا الدور على المواجهة الميدانية الحازمة، بل يمتد ليشمل الاستخبارات الاستباقية، وتجفيف منابع التمويل العابرة للحدود. إن التنسيق بين يقظة المواطن واحترافية الأجهزة الأمنية يتيح التدخل الوقائي وسحق أي مخطط في مهدِه، لتبقى الرسالة قاطعة ومدوية: يد العدالة وسيادة القانون ستدوس كل يد تلطخ طهر هذا الثرى أو تحاول المساس بأمن الأردن واستقراره.
.حمى الله الأردن وطناً آمناً مستقراً، ويبقى درعاً منيعاً وموئلاً للأحرار في ظل حضرة صاحب الجلالة الهاشمية الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم حفظه الله ورعاه.



