خبرني - كيف يمكن لعقل شاب في مقتبل العمر أن يتصالح مع فكرة قتل إنسان لا يعرفه، وتدمير مجتمع ينتمي إليه، والتخلي عن مستقبله وأحلامه، بل والنظر إلى موته باعتباره إنجازًا؟!
ما يحدث هنا ليس مجرد انحراف سلوكي، بل عملية إعادة هندسة للوعي والهوية والانتماء.
تبدأ العملية غالبًا من استثمار حاجات إنسانية طبيعية: الحاجة إلى الانتماء والتقدير وإثبات الذات والشعور بأنّ للحياة معنى.
ثم يأتي من يستثمر هذه الاحتياجات، فيمنح الشاب هوية بديلة، ورسالة متوهّمة، وتفسيرًا تبسيطيًا لعالم معقد، ويعيد تشكيل منظومته القيمية بحيث يصبح العنف فضيلة، والقتل تضحية، والاختلاف عداءً، والطاعة العمياء دليلًا على الولاء لقضيته.
وهنا لا بد من التمييز بين العوامل التي قد تجعل الشاب أكثر قابلية للاستقطاب، وبين الأسباب والآليات التي تحوّله إلى أداة للعنف.
فالفقر والتهميش والإحباط والبطالة ليست وصفات جاهزة لصناعة الإرهاب، ولا يتحول كل من يعاني منها إلى متطرف.
إنها عوامل هشاشة محتملة تتفاعل، بدرجات متفاوتة، مع التلاعب النفسي، والأيديولوجيات المغلقة، وشبكات التجنيد، وآليات غسل الدماغ، وصولًا إلى تفكيك الضوابط الأخلاقية وإعادة تعريف العنف باعتباره فعلًا مشروعًا.
نحن امام مصادرة تدريجية للعقل النقدي، وإلغاء للذات الفردية لصالح هوية جماعية مغلقة.
وحين يفقد الإنسان قدرته على التفكير خارج منظومة الجماعة، لا يعود يرى ضحاياه بشرًا لهم حياة وأحلام وعائلات، بل يتحولون في وعيه إلى أهداف مجرّدة.
لكن ثمة سؤالًا أكثر إلحاحًا من تحليل سيكولوجية هذه الفئة من الشباب:
كيف استطاعت جماعات التطرف الوصول إلى عقول الشباب، بينما عجزت مؤسسات التنشئة والتعليم والثقافة عن بناء حصانة فكرية ونفسية واجتماعية لديهم؟
لماذا يجد خطاب الكراهية طريقه إلى عقولهم، بينما تفشل خطابات المواطنة والانتماء والكرامة والعدالة في إقناعهم؟
وأيّ فراغ تربوي وثقافي واجتماعي يسمح لمتاجري الأوهام بأن يصبحوا أكثر تأثيرًا في تشكيل وعي الشباب من الأسرة والمدرسة والجامعة ومؤسسات الدولة؟
هذه ليست أسئلة أمنية فحسب؛ إنها أسئلة تتعلق بكفاءة السياسات العامة، وجودة التعليم، والعدالة الاجتماعية، وإنتاج المعنى، ومصداقية المؤسسات.
فالإرهاب لا يبدأ بالضرورة عندما يحمل الشاب السلاح؛ قد تبدأ مقدماته قبل ذلك بسنوات، حين يُترك وعيه بلا أدوات نقد، وانتماؤه بلا معنى، وطموحه بلا أفق، ثم يأتي من يستثمر هذه الثغرات ويمنحه إجابات زائفة عن أسئلة حقيقية.
إنّ معالجة الإرهاب بعد وقوعه ضرورة، لكن إهمال شروطه الفكرية والنفسية والاجتماعية، وغياب سياسات (الوقاية) المؤسسية الفاعلة، يعني أننا نعالج النتائج ونترك أسبابها تتجدد!!
والأخطر أنّ المجتمع لا يخسر الشاب الذي يتحول إلى قاتل وحده؛ بل يخسر أيضًا ضحاياه، ومستقبل أسرهم، وثقة الناس بأمانهم، وجزءًا من استقرارهم الاجتماعي.
فمن يختطف عقل شباب اليوم، لا يسرق مستقبله وحده؛ بل يهدد مستقبل مجتمع بأكمله، ويحوّل طاقته من البناء إلى الهدم، ومن صناعة الحياة إلى صناعة الموت !!



