خبرني - إنها حتماً وقفة تأمل ثقيلة على قلب الوطن، تفرضها دماء زكية أُريقت ظلماً وعدواناً، وتستوجب منا جميعاً – مؤسسات ومجتمعاً – أن ننتقل من مربّع الألم إلى فضاء المواجهة الواعية والصريحة. فما بين صدمة شهداء قرية حمود وفاجعة الشهيد جواد السلايطة في الحادث الأمني الأخير أمام سفارة في عمّان، يتكشف خيط دقيق ومظلم ينسجه الفكر الإرهابي المتطرف، مستغلاً كل ثغرة، وكل وجع، وكل ضائقة يعيشها الإنسان الأردني.
إن استهداف رجال أمننا، وقبلها الجرائم البشعة التي ارتكبها ذات الفكر الظلامي، ليس مجرد حوادث أمنية معزولة؛ بل هو ناقوس خطر ينذر برغبة قوى التطرف في استغلال أي بيئة ممكنة لتنفيذ مخططاتها الهدامة. والسر في ذلك ليس خافياً على عاقل؛ فالظروف الاقتصادية الضاغطة، وارتفاع نسب التضخم والبطالة والفقر، والتحديات المعيشية التي تثقل كاهل المواطن، تشكل مناخاً يسعى أصحاب الفكر المنحرف لاختراقه، ممن لا يرقبون إلّاً ولا ذمة في حياة الإنسان أو أمن البلاد. وهنا تكمن الخشية الحقيقية؛ أن يتحول الإحباط الناجم عن الضغوط المعيشية إلى ثغرة تستغلها الجماعات المتطرفة لزعزعة هذا الحصن الوطني الذي طالما مثّل ملاذاً للاستقرار.
إن مواجهة هذا الخطر الوجودي لا تبدأ وتنتهي في الميدان الأمني فحسب – على أهمية وبسالة أجهزتنا الأمنية وقواتنا المسلحة التي تسهر على حماية التراب الوطني – بل تتطلب قراءة استراتيجية عميقة تعالج الجذور والأسباب الرئيسية للتطرف. فالأمن المجتمعي هو الوجه الآخر للأمن الوطني، ولا يمكن بناء جدار منيع ضد الفكر المتطرف بمعزل عن التنمية الشاملة، والعدالة الاجتماعية، وإعادة بناء الأمل لدى الشباب.
إن التحصين الوطني الشامل يتطلب منا مراجعة تقييمية للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية؛ بحيث تتوجه الجهود الرسمية والمجتمعية نحو معالجة أزمات الفقر والبطالة والتحديات المالية المتراكمة، واعتماد رؤى تنموية تضع كرامة المواطن وحمايته الاجتماعية في مقدمة أولویاتها. فالفكر الظلامي لا يُقارع بالرفض النظري وحده، بل يُهزم بإصلاح الأثر الاقتصادي على الناس، وترسيخ سيادة القانون، وتكافؤ الفرص، وحماية النسيج الاجتماعي.
ولحماية عقول أبنائنا من التغلغل الخبيث لهذا الفكر، لا بد من مسار وطني متكامل يتبنى تجديد الخطاب الديني والإعلامي والثقافي، ليكون قادراً على تفكيك مقولات التطرف بالمنطق والحجة والفكر المعتدل، جنباً إلى جنب مع تحصين المنظومة التعليمية والتربوية بغرس قيم التفكير النقدي وقبول الآخر وثقافة الحوار. كما أن الجبهة الاقتصادية والاجتماعية تظل هي خط الدفاع الأول، عبر سياسات تعيد الاعتبار للإنتاج، وتوفر فرص عمل حقيقية تنتشل الشباب من براثن اليأس الذي يُعد الحليف الأقوى لكل ظلامي. إن دماء جواد السلايطة ومن قبله شهداء الوطن ليست هينة، وحقهم الأبدي علينا هو أن نجعل من رحيلهم المؤلم نقطة تحول نحو أردن أكثر مناعة، وأكثر عدالة، وأشد وعياً في وجه كل محاولات العبث بمقدراته وإنسانه.
رحم الله الشهيد جواد السلايطة وشهداء قرية حمود، وحفظ الله الأردن وأهله من كل مكروه



