الثانية عشرة وعشرون دقيقة من ظهر الخميس – ساعة لا يخطط فيها أحد لحرب!
شارع المدينة المنورة في عمّان: سيارات تمضي، وأبواب محلات مفتوحة، ورجل أمن واقف في مكانه (عمل لا يلحظه الناس إلا حين ينقطع).
يندفع إليه شخص بأداة حادة ويطعنه!
يُسعف العريف جواد علي خلف السلايطة إلى المستشفى، ويفارق الحياة بعد قليل.
تتدخل دورية قريبة فتسيطر على الموقف وتقبض على المعتدي. أما ضابط الدورية فيصاب في وجهه نتيجة الاشتباك، وحالته مستقرة بحسب الأمن العام.
المديرية وصفت ما جرى بعمل إرهابي جبان، وقالت إن التحقيقات الأولية تشير إلى نية وتخطيط لاستهداف رجال الأمن العام.
تتالت الردود في ساعات، بحسب ما نشرته وسائل إعلام أردنية: الحكومة وصفت الاعتداء بأنه «اعتداء سافر على هيبة الدولة وسيادة القانون»، ونائب الملك زار الضابط المصاب، وتابع الملك التطورات المرتبطة بالتحقيقات.
نيابة أمن الدولة باشرت التحقيق، بحسب صحف ومواقع محلية. أي أن للمعتدي قضية قبل أن يكون له اسم في أي عنوان!
لهذا الرقم عندنا تاريخ يُطمئن: في 18 آذار قُتل ثلاثة من مرتبات مكافحة المخدرات في مداهمة شرق العاصمة، وفي 7 حزيران قضت محكمة أمن الدولة بالإعدام بالإجماع. أقل من ثلاثة أشهر بين الدم والحكم! تذكير لا استباق للقضاء.
هذه أصوات الدولة، خرجت كلها في ساعات. الصوت الذي يتأخر هو صوتنا نحن، وبه تُحفظ الأسماء!
الجيش والأمن عندنا خط أحمر. الخط الأحمر لا يرسمه القانون وحده، يرسمه أيضاً ضمير شارع يعرف من يقف له. وأسر الشهداء لها في الدولة سند معروف، وللمجتمع نصيبه من الوفاء.
فماذا نفعل نحن؟ لا نزاحمهم في عملهم، نقف خلفهم!
الإرهاب الذي يأتي ليلاً يعرف أنه يتخفى. الذي يأتي ظهراً يعلن أن الشارع كله ساحته، وأن العادي نفسه صار هدفاً!
في ساعة كهذه تُشترى الخضار، ويُوصَل الصغار إلى بيوتهم، ولا أحد يفكر بمن يقف عند الناصية. العادية نعمة لا تنتبه لها العين، إلى أن تُطعن!
في دقائق قليلة جاءت ثلاثة مشاهد من الواجب: رجل سقط، وضابط أصيب في وجهه، وطاقم دورية تدخل فوراً (بحسب الناطق الإعلامي للأمن العام) فأمسك المعتدي. للدورية حق علينا، وهي لم تطلب أن نعرف أسماءها!
الذي سقط لم يكن مقصوداً باسمه، فالزي وحده كان العنوان!
الزي أبسط وجوه الدولة وأكثرها حضوراً – رجل عند الناصية في وضح النهار، لا يحرس قصراً ولا يلقي خطاباً!
اسمه جواد، والجواد في لغتنا من يعطي بلا عدّ. ورتبته عريف، والعريف من يعرّف قومه ويقوم بأمرهم. أعطى بلا عدّ، وعرف الناس، ولم يعرفه أحد إلا الآن!
الأمن العام قال إن ضابط الدورية أصيب في وجهه. الوجه تحديداً: وجه الدولة حين تقف بين الناس بلا درع ولا موكب.
قبل الأفكار تنبيه واجب: لا نعرف بعد من المعتدي ولا من أين جاء ولا ما الذي دفعه. حتى تقول التحقيقات كلمتها، لا نسبة ولا تخمين ولا إدانة لحي أو جماعة.
الدم الذي سال اليوم لا يجوز أن يسقي الظلم غداً!
رجل الأمن عند الناصية يحمل ثقتنا بأن النهار نهار. هذه الثقة هي ما استُهدف حقاً، ونحن من يستطيع أن يردها إلى أصحابها!
ما بأيدينا مدني خالص، لا يزاحم أحداً (فالعمل الأمني لأهله).
أول يد تمتد في الشارع حين يقع مثل هذا يجب أن تمتد إلى الاتصال لا إلى التصوير. الهاتف الذي يصوّر لا يسعف، والمقطع الذي ينتشر يعيد الطعنة مرات لا تُحصى في بيوت لا تستحقها!
الإرهاب عرض يحتاج إلى جمهور، فلا نشتري تذكرته. إن وصلك مقطع، لا تعد إرساله حتى في مجموعة العائلة!
بعد مجزرة في مسجدين ببلد بعيد، قالت رئيسة وزرائه آنذاك إن المعتدي يريد الشهرة، وإنها لن تنطق اسمه. القاعدة تصلح لزملاء المهنة عندنا: اسم الشهيد في السطر الأول، والمعتدي في ملفه عند القضاء. لا صورة له ولا بطولة إعلامية!
السيرة قبل الطعنة: اسألوا الأسرة، إن أذنت، عمّا كان يحب جواد. السيرة تحفظ الاسم أكثر مما تحفظه الميتة!
لا صورة للعريف وهو ينزف، ولا للضابط وهو مصاب. الوجوه الجريحة ليست مادة تتناقلها الهواتف. الدم أكبر من أن يكون محتوى!
لبيت العريف اليوم وزن لا تقيسه الأرقام. العزاء يُحمل إلى الباب لا إلى الشاشة، ومن حق الأسرة أن تقرر وحدها ما يعرفه الناس عنها!
في البيت، حين يسأل الصغير عمّا جرى، يكفيه جواب واحد: رجل اسمه جواد كان يقف ليحمينا. التفاصيل تنتظر حتى يكبر!
الزائر الأهم هو من يأتي بعد أن يخف الزحام. حين ينفض العزاء ويعود كل إلى بيته، يبدأ الصمت الحقيقي في بيت الشهيد. اطرقوا بابه في الأسبوع الثالث!
دقيقة في طابور مدرسة: يقرأ طالب اسم جواد على رفاقه الذين يمرون بالشارع كل صباح، ويقول لهم إن هذا واحد من الواقفين لنا. مبادرة من مدرسة لا تحتاج إلى قرار!
رد بالروتين: الإرهاب يريد شارعاً خائفاً، فلنعطه حياة عادية. محال تفتح، وطلاب يذهبون إلى مدارسهم، وناس يمضون إلى أعمالهم. العادية أثمن ما في الشارع، وهي أبلغ رد!
كلمة لأول رجل أمن نمر به غداً: صباح الخير، أو شكراً. لا نحتاج إلى معرفة اسمه، يكفي أن يعرف هو أننا نراه!
لا أعد بأن واحدة من هذه تمنع طعنة. أعد بأنها تجعل الواقف على الناصية ابن الشارع، لا زياً مجهولاً.
الدولة في الظهيرة ليست خطاباً ولا قصراً. إنها رجل واقف على ناصية!
على الناصية نفسها يقف غداً رجل آخر، فلا تنتظروا سقوطه لتحفظوا اسمه!



