*
الخميس: 05 نوفمبر 2026
  • 05 نوفمبر 2026
  • 10:51
نحو سياسة زراعية أردنية تقودها الأسواق
الكاتب: المهندسة الزراعية فداء علي الروابدة

يعاني القطاع الزراعي على مدى عقود من فائض الإنتاج في بعض المنتجات الزراعية وآلية التسويق المتبعة وتدني الأسعار في فترات مختلفة. وهنا،القطاع الزراعي ليس بحاجة فقط إلى زيادة الإنتاج بل إلى إعادة تنظيم طريقة التفكير في الإنتاج الزراعي من الأساس فالمشكلة التي يواجهها المزارع الأردني في كثير من الأحيان لا تبدأ عند التسويق ولكن تبدأ قبل ذلك بكثير وعند اتخاذ المزارع قرار الزراعة وبناءاً على قدرته المالية وخبرته أو قناعته بمحصول معين دون أن تتوفر أمامه صورة واضحة أو معلومات كافية عن حجم الطلب والأسواق المستهدفة والأصناف المطلوبة وإمكانية التصنيع وفرص التصدير وغيرها من المعلومات التي تنعكس على زراعته بجدوى إقتصادية إيجابية.
وعند الزراعة بالطرق التقليدية وحسب قناعة المزارع تتحول المشكلة إلى فائض في الإنتاج وإنخفاض في الأسعار وخسائر على المزارع لتبدأ المطالبات بفتح أسواق جديدة أو إنشاء مصانع لإستيعاب الإنتاج.
الأصل في ذلك أن تنعكس المعادلة فالزراعة الحديثة تتطلب معرفة ما يحتاجه السوق وما هي الكميات المطلوبة والصنف المناسب والمواصفات لكل صنف ومن الفئة المستهدفة بالشراء وهل المنتج للسوق المحلي أو للتصنيع أو للتصدير ليأتي دور المزارع في الإنتاج ضمن خطة واضحة ومعلومات موثقة حتى لا يتحمل مخاطر قرار الإنتاج والتسويق. 
هنا ليس المقصود تقييد حرية المزارع ولكن الحصول على المعلومة الصحيحة والإرشاد السليم والحوافز الممكنة والتي يمكن أن تساعده على إتخاذ قرار إقتصادي آمن نوعا ما،ليأتي دور الإرشاد الزراعي بمفهومه الواسع وليس فقط الرد على إستفسارات المزارعين بالاسئلة البسيطة عن كيفية الزراعة وكيفية مكافحة آفة ما وغيرها من الأسئلة الروتينية ليرتفع سقف المعلومة إلى ماذا يزرع؟ ولمن سيبيع؟ وما هو العائد المتوقع تقديرياً؟ مما يتطلب ربط الإرشاد الزراعي بمعلومات كاملة وموثقة عن الأسواق والمصانع والمصدرين والأسعار والأصناف المطلوبة وكلفة الإنتاج لكل محصول والفرص التصديرية المتاحة والمتوقعة فيصبح الإرشاد الزراعي أداة وطنية لتوجيه الإنتاج الزراعي الوطني وليس مجرد خدمات فنية داخل المزرعة. 
من الأخطاء الشائعة والمنتشرة في الزراعة هو المطالبة العشوائية بإنشاء مصانع لإستيعاب الفائض بإعتباره حل تلقائي لمشكلة التسويق ،فالمصانع الناجحة تحتاج إلى بنية تحتية قوية ومواد خام مستمرة وجودة أصناف محددة وكميات معروفة وأسعار يمكن للمصنع والمزارع الإستمرار معها ولذلك يجب المحافظة على التسلسل السليم لهذة العملية من السوق إلى المنتج المصَنع إلى إحتياجات المصنع إلى الصنف الزراعي المطلوب إلى المساحات الواجب زراعتها ومن ثم التعاقد والإنتاج والتصنيع ليظهر بذلك التكامل بين القطاع الزراعي والصناعي الصحيح. 
وتعتبر الزراعة التعاقدية أحد أهم أدوات حماية المزارع الأردني وأي مزارع أينما كان فهي من الطرق التي تستخدم في كثير من الدول لخدمة المزارع والقطاع كامل.وبدل أن يزرع المزارع ثم يبحث عن مشتري أو سوق لمنتجاته يقوم بالبدء بالموسم بإتفاق واضح مع مسوق أو مصدر أو مصنع أو شركة تسويق ثم يحدد الصنف والكمية والمواصفات المطلوبة وموعد التسليم وآلية التسعير والدفع ضمن سلسلة قيمة زراعية واضحة ليتحول المزارع من منتج منفرد يواجه السوق بتحدياته إلى شريك في سلسلة متكاملة، كما أن تنظيم الزراعة التعاقدية بصورة مؤسسية تفتح المجال أما الدعم والتمويل والإرشاد والتأمين والإستثمار بشكل واسع وتمنح القطاع الخاص القدرة على التخطيط. لا يكفي في المجمل إنتاج محصول جيد ولكن القيمة تكمن في معاملات ما بعد الحصاد فكثير من المنتجات تخسر قيمتها التسويقية بسبب سوء الجمع والفرز والتدريج والتعبئة والتغليف والتبريد والنقل وغيرها من العمليات الهامة.لذلك،يجب أن تكون منظومة ما بعد الحصاد جزء أساسي في السياسة الزراعية وليست أنشطة مبعثرة من إنشاء مراكز لهذة العمليات وتطوير النقل المبرد وإعتماد نظام التتبع والجودة لرفع قيمة المنتج الزراعي الأردني وتقليل الفاقد وزيادة القدرة على التنافسية الخارجية. 
إن الحاجة كبيرة جداً لإمتلاك الأردن خارطة إنتاج زراعي وطني واضحة وحديثة تحدد المحاصيل ذات الأولوية،المناطق الأنسب لكل محصول،الأصناف المطلوبة،احتياجات السوق المحلي،احتياجات المصانع،الفرص التصديرية،الكميات المطلوبة،مواصفات المنتج ،الإحتياجات المائية والفترات المناسبة للإنتاج.ومن خلال هذه الخريطة يمكن أن يحصل المزارع على توجيه قبل الزراعة وليس حلولاً بعد وقوع المشكلة. 
هنا يأتي دور الدولة والذي لا ينحصر بأن تزرع بدلاً من المزارع ولا أن تضمن بيع كل محصول مهما كان نوعه أو كميته،لكن دورها أن تبني البيئة التي تجعل قرار المزارع أكثر رشادة وأقل مخاطرة.مما يتطلب تكامل الأدوار بين كافة الجهات المعنية في ظل تنفيذ رؤية التحديث الإقتصادي، فالهدف ليس زيادة الإنتاج الزراعي فقط، وإنما زيادة القيمة الإقتصادية التي يولدها هذا الإنتاج. 
في الخلاصة 
المزارع الأردني لا يحتاج فقط إلى من يبحث له عن سوق بعد الإنتاج بل يحتاج إلى منظومة وطنية تساعده على معرفة ما ينتج قبل أن يزرع.أما حماية المزارع فلا تكون فقط بالتدخل عند إنخفاض الأسعار أو عند حدوث فائض لكن بمنع الإنتاج الخاطيء من الأساس.والزراعة الأردنية ليست مجرد قطاع ينتج محاصيل ،بل قطاع إقتصادي تقوده المعرفة والسوق والتكنولوجيا والتصنيع والتصدير لتبدأ الزراعة الذكية وتبدأ حماية المزارع وتتحول رؤية التحديث الإقتصادي إلى إنتاج وقيمة ودخل وفرص حقيقية.
 

مواضيع قد تعجبك