على الرغم من أن اسمه لم يكن يعني شيئًا لأغلب الأمريكيين قبل عامين، إلا أن عبد الرحمن السيد، المعروف هنا باسم "عبدول السيد"، يقف اليوم على بعد أيام من أن يصبح أول مسلم يدخل مجلس الشيوخ الأمريكي في تاريخه. رجل لم يشغل في حياته منصبًا منتخبًا واحدًا، أسقط مرشحة المؤسسة الديمقراطية في الانتخابات التمهيدية، وهزّ حسابات الحزبين معًا.
غير أن الطريق إلى واشنطن ليس مفروشًا بالورود. فالرجل يقف بين مطرقة أنصار يريدون منه أن يبقى صوت غضبهم كما هو، وسندان حملة إعلامية لا ترى فيه سوى اسمه ودينه. فمن هو عبد الرحمن السيد؟ وهل يستطيع أن ينجو اليوم الاثنين؟
وُلد عبد الرحمن محمد السيد عام 1984 في ولاية ميشيغان لأب مصري نشأ في الإسكندرية وجاء إلى أمريكا للدراسات العليا وعمل مهندسًا، وتربّى هو في ضواحي ديترويت. وسيرته العلمية مما يُحسد عليه: جامعة ميشيغان، ثم منحة رودز إلى أكسفورد حيث نال الدكتوراه في الصحة العامة، ثم شهادة الطب من جامعة كولومبيا. وفي الثلاثين من عمره صار مديرًا لدائرة الصحة في ديترويت، أصغر مسؤول صحة عامة في مدينة أمريكية كبرى، في مدينة كانت تخرج للتو من إفلاسها.
وفي مقاطعة وين، ترك ما لا يملكه كثير من السياسيين: أثرًا يلمسه الفقراء بأيديهم. آلات في الشوارع توزّع دواء النار كان مجانًا لإنقاذ ضحايا الجرعات الزائدة، وديون طبية رُفعت عن كاهل ثلاثة وثمانين ألف إنسان. هذا هو السيد في أفضل حالاته: رجل الصحة العامة الذي يعرف أين يوجع الناس.
في عام 2018 جرّب حظّه أول مرة، فنافس غريتشن ويتمر على ترشيح الحزب الديمقراطي لمنصب حاكم الولاية. وقبل أن يبدأ السباق فعليًا، حاول خصومه إقصاءه بحجة أنه كان مسجلًا كناخب في نيويورك أثناء عمله في كولومبيا، فردّت سلطات الانتخاب الطعون كلها. خسر يومها بنحو ثلاثين بالمئة من الأصوات، لكنه لم يخرج من الساحة، بل صار أحد أبرز أصوات اليسار التقدمي، وكتب كتابًا عن التأمين الصحي الشامل، وقدّم برنامجًا إذاعيًا على الإنترنت.
ثم جاءت غزة، وجاءت معها فرصته. فقد وقف مع حركة "غير ملتزم" التي أوصلت رسالة الغضب العربي والمسلم إلى البيت الأبيض عام 2024، ورفع شعار منع أموال الضرائب الأمريكية من تمويل الحروب في الخارج. وفي الرابع من أغسطس/أب الماضي، هزم مرشحة المؤسسة هيلي ستيفنز بفارق أربعة عشر ألف صوت، رغم أن اللوبي المؤيد لإسرائيل "أيباك" والجماعات المرتبطة به أنفقت قرابة ثلاثين مليون دولار لدعم منافسته. ثلاثون مليونًا لإسقاط رجل واحد، ولم تُسقطه.
أما المطرقة الأولى فتأتيه من أهل بيته. فالجالية العربية التي حملته إلى الترشيح تريد منه أن يبقى صوت غزة في الكونغرس دون مساحيق تجميل، واليسار التقدمي الذي احتضنه، من بيرني ساندرز إلى زهران ممداني، يريد منه أن يبقى وفيًا لبرنامج يبدأ بالتأمين الصحي للجميع ولا ينتهي بضريبة المليارديرات. لكن ميشيغان ليست ديربورن. ففي ديترويت خسر أمام ستيفنز بفارق ثمانٍ وعشرين نقطة، وما زال كثير من الناخبين السود يعاتبونه على دعمه حركة "غير ملتزم" التي يرون أنها أضعفت الحزب في 2024.
وأما السندان فأشدّ قسوة. فمنذ فوزه بالترشيح، تحوّل دينه إلى مادة الدعاية الأولى ضده. فالرئيس ترامب نفسه سمّاه "محمد" على منصته، في إيحاء لا يحتاج إلى شرح، ثم وقف في مهرجان انتخابي في مدينة بورت هيورون قبل الانتخابات بتسعة أيام، ليصفه بـ"الجهادي" و"عضو الإخوان المسلمين"، ويزعم أنه يريد فرض الشريعة على أمريكا، متمنيًا أن يكون "السيناتور الوحيد الذي يمرّ عبر جهاز كشف المعادن". وخصمه مايك روجرز، الرئيس السابق للجنة الاستخبارات في مجلس النواب، الذي شارك ترامب المنصة نفسها، يبثّ إعلانات تربطه بـ"الإسلام المتطرف"، واتهمه بصلات بجماعة الإخوان المسلمين، ثم رفع السقف في المناظرة الأولى باتهامات بصلات بحماس وحزب الله. يحدث هذا في مناخ تسمّم بما يكفي: نائب في الكونغرس يدعو علنًا إلى "تدمير" المسلمين، وحاكما تكساس وفلوريدا يصنّفان مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية "منظمة إرهابية"، ومرشح جمهوري لحكم ميشيغان يتعهّد بوضعه على القائمة السوداء. فلم يعد السؤال ماذا يقترح المرشح؟ بل ما اسمه؟ ولمن يصلّي؟
ولكن السؤال المطروح: لماذا يُطالَب المرشح المسلم بأن يثبت براءته من تهم لا يُسأل عنها غيره؟ ولماذا تُنفق عشرات الملايين لإسقاطه، لا لأنه فاسد أو عاجز، بل لأنه يقول إن أموال الأمريكيين ينبغي ألا تموّل الحروب؟
إن معركة عبد الرحمن السيد ليست معركته وحده. فإن فاز، فتح بابًا ظلّ مغلقًا في وجه المسلمين منذ نشأة الجمهورية. وإن خسر، فلن يسأل أحد عن برنامجه الصحي أو ضرائب المليارديرات، بل سيُقال إن أمريكا ليست مستعدة بعدُ لاسم مثل اسمه. وهكذا لن يكون الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني امتحانًا للمرشح وحده، بل امتحانًا لأمريكا نفسها.



