بلا شك نجحت الدولة الأردنية بمجاراة التطور الكبير بمفهوم الأمن الداخلي، بمفاهيمه السياسية والاقتصادية والمجتمعية، والانسياب مع تحديثات تقاطعات هذا المصطلح الهام التي لم تعد تتعلق بمفهوم قائم على نظريات أمنية كلاسيكية بمهمات محددة ، وإنما يتوسع ليشمل عملية الانتقال السلس مع قنوات وتشعبات محتوى المفهوم الذي بات يدخل في كل القطاعات الحيوية وبكل مستويات وعوالم الناس بما فيها العالم الافتراضي من خلال ما يعرف اليوم بالأمن السيبراني .
فالأمن الداخلي بكل أبعاده بات اليوم محور حيوية الدولة الأردنية، وأثره حاضر في تفاصيل حياة الأردنيين وفي أعمالهم وحركتهم وعلاقاتهم، وقدرتهم على مواصلة الحياة وسط إقليم لا يهدأ.
أنتقل كل يوم إلى عملي بين مدينتين من العاصمة الحبيبة إلى إربد، عروس الشمال، وأتأمل، ذهابًا وإيابًا، صيرورة الحراك المجتمعي الأردني في الوجوه وعلى الدروب وفي المقل حيث يغرف صافي الحديث من العيون الصامتة في صباحات الأردنيين المقلين في الكلام في طريقهم للعمل والمتحمسين لسرد ما في جعبتهم من حكابات في مساء الإياب إلى بيوتهم . وأطالع الأخبار والتقارير الصحفية والتعليقات في كعب الأخبار على مواقع التواصل الاجتماعي، فأرى في تفاصيل الحكاية وخلف السطور إصرارًا أردنيًا يتجاوز التخبط والارتباك، ويتمسك بالحياة والعمل، ويواجه القلق ببعض التندر وبكثير من الصبر والوعي والثبات.
وهنا نرفع القبعة لتلك الذهنية الأردنية الصلبة، التي تدرك صعوبة الظروف وتواصل طريقها بعناد واعي مملوء بالأمل .
ولكن من أين أتى كل ذلك ؟
ليس سؤالًا محيرًا، ولا عصيًّا على الإجابة. فرغم ما نواجهه من صعوبات وإشكاليات في مختلف مناحي الحياة، تبقى متانة الدولة الأردنية، بمؤسساتها وشعبها الوفي، القاعدة الصلبة التي لا نتكئ عليها فحسب، بل نقف عليها وننطلق منها منذ عشرات السنين حيث تراكم التجارب وتكرار المحكات .
وبلا شك في مقدمة هذه المعادلة تقف القيادة الهاشمية، التي رسّخت عبر تاريخ الدولة علاقة مع الأردنيين قوامها الثقة وصدقية الحكم وقربه من الناس. وعلى امتداد أكثر من مئة عام، بُنيت هذه الدولة يدًا بيد مع شعبها، لتجمع على أرضها فسيفساء مجتمعية، وتصوغ منها تجربة وطنية أثبتت قدرتها على الصمود والاستمرار.
ولنا في أحوال الجوار ما يكفي لإدراك قيمة هذه التجربة، وثقل المسؤولية في الحفاظ عليها.
لسنا في معرض الإيجابية المطلقة، ولا تجاهل مواطن الخلل. فصون الدولة يقتضي أن نرى صعوباتنا بوضوح، وأن نناقشها بجرأة ومسؤولية. لكنه يقتضي أيضًا أن نضع المصلحة الوطنية في صدارة النقاش، وأن نحسن تقدير مخاطر الإقليم.
فعدم انخراط الأردن في معركة السلاح والنيران لا يعفيه من تداعياتها، ولا يجعل مجتمعه بمنأى عن محاولات التأثير والاستقطاب وهو ما نعيشه وعشناه في كل أحداث الإقليم والمنطقة ككل.
ومن هنا تبدأ ضرورة تحصين الوعي الأردني، وصيانة مواقفنا بما يحفظ مصالحنا وأمننا. فالعدوان الإسرائيلي ووحشيته في فلسطين، وصراعات النفوذ والتدخلات الإيرانية، وحضور الميليشيات، واستدعاء الانقسامات المذهبية والطائفية،
كلها عوامل تزيد المنطقة التهابًا، وتضاعف احتمالات الخطأ في الحسابات. وحين تتحول الهويات الدينية والمذهبية إلى أدوات للصراع والحكم، تصبح المجتمعات وقودًا لمعارك تستنزف حاضرها وتهدد مستقبلها. وهذه وقائع تفرض علينا يقظة دائمة، وقراءة أردنية للمشهد، تنطلق من مصالح وطننا وتقدّر تبعات كل موقف.
في الأردن ملك يبعث فينا الأمل والثقة، ويمنح الموقف الوطني وضوحه وثباته في مواجهة هذا الاضطراب. وخلف هذه الثقة تجربة دولة وقيادة وشعب تصدّوا عبر تاريخهم لتحديات ومؤامرات لم تنل من عزيمتهم، ولم تسلبهم القدرة على مواصلة البناء. ولنا في خطاب جلالة الملك أمام الأمم المتحدة تعبير واضح عن قوة هذا الموقف؛
حين وضع العالم أمام مسؤولياته تجاه القضية الفلسطينية، وطالب بوقف العدوان والتهجير وحماية الحقوق الفلسطينية، وأكد ضرورة صون أمن الأردن. وهو موقف يستمد قوته من عدالة القضية ووضوح الحجة، ومن التأكيد أن السلام تصنعه العدالة، ولا تفرضه القوة العسكرية.
لأجل كل ذلك فإن الصلابة النفسية والذهنية التي نحتاجها تبدأ بفهم الواقع، وتمييز المعلومة من الإشاعة، ومواجهة محركي الفتن بوعي، ورفض الانجرار وراء الخوف والتحريض. وتقتضي أن نحفظ اختلافاتنا من التخوين، وأن نناقش شؤوننا بجرأة، من دون أن نهدر الثقة بأنفسنا أو نضعف قدرتنا على التماسك. للأردني أن يقلق وأن ينتقد وأن يطالب بحياة أفضل؛ فهذه حقوق تعزّز الدولة حين تجد من يسمعها ويتعامل معها بمسؤولية.
وعليه، في المقابل، أن يزن ما يتبناه وينقله ويدافع عنه بميزان مصلحة وطنه. فحماية الأردن مسؤولية تجمعنا، والالتفاف حول قيادته الهاشمية يكتسب معناه بالوعي والعمل وصون وحدة المجتمع. وفي هذه المنطقة الملتهبة، يبقى أمن وطننا واستقراره أولوية لا تحتمل سوء التقدير.



